لم تعد تداعيات الحرب الإيرانية تقتصر على ساحات المواجهة في الشرق الأوسط، بل امتدت لتعيد تشكيل التوازنات الجيوسياسية في القرن الإفريقي، أحد أكثر الأقاليم حساسية على خارطة الأمن العالمي. فالمنطقة المطلة على البحر الأحمر وباب المندب أصبحت اليوم ساحة لتداخل المصالح الأمنية والاقتصادية، حيث تتسابق القوى الإقليمية والدولية لإعادة تموضعها في ظل تصاعد التوترات، ما ينذر بمرحلة جديدة من المنافسة على النفوذ والممرات البحرية وسلاسل الإمداد.
ويكشف موجز سياسات صادر عن المعهد النمساوي للشؤون الدولية (OiiP) أن الحرب الإيرانية لم تُحدث تحولًا جذريًا في موازين القوى داخل القرن الإفريقي، لكنها سرعت من وتيرة الصراعات القائمة، وأعادت ترتيب أولويات الفاعلين الخليجيين، ووسعت نطاق المنافسة الاقتصادية والأمنية في واحدة من أهم المناطق الإستراتيجية في العالم.
القرن الإفريقي.. امتداد مباشر للأمن الخليجي
يرى التقرير أن القرن الإفريقي والخليج العربي يشكلان فضاءً جيوسياسيًا واحدًا، وأن أي تصعيد في الخليج ينعكس سريعًا على الضفة المقابلة للبحر الأحمر، سواء عبر أمن الملاحة أو حركة التجارة أو الاستثمارات أو التوازنات السياسية.
ورغم أن النفوذ الإيراني المباشر في المنطقة محدود، فإنه يمارس تأثيرًا غير مباشر من خلال تداعيات الحرب على أمن البحر الأحمر، وارتفاع مخاطر النقل البحري، وزيادة تكاليف الوقود والشحن والتأمين، الأمر الذي يضغط على اقتصادات دول القرن الإفريقي.
يشير التقرير إلى أن السودان يمثل الحلقة الأكثر تأثرًا بالحرب، إذ أضاف التصعيد الإيراني بعدًا جديدًا للصراع الداخلي، وزاد من تعقيد حسابات دول الخليج، خصوصًا السعودية، بين دعم الاستقرار السياسي والحفاظ على أمن البحر الأحمر، في وقت تتقاطع فيه جهود الوساطة مع المصالح العسكرية والإقليمية.
الصومال وإثيوبيا.. سباق على البحر والنفوذ
في الصومال، تزداد أهمية الموانئ والتحالفات الخارجية ومستقبل أرض الصومال في ظل عسكرة البحر الأحمر، بينما تبرز إثيوبيا كلاعب يسعى لتوسيع نفوذه الإقليمي وتأمين منفذ بحري، وهو ما يضعها في قلب معادلة الأمن الإقليمي الجديدة.
يصف التقرير الإمارات بأنها صاحبة النموذج الأكثر تطورًا في إدارة النفوذ داخل القرن الإفريقي، عبر الجمع بين الاستثمار في الموانئ والخدمات اللوجستية، والأمن الغذائي، والتمويل، والشراكات الأمنية، والوساطة السياسية.
ويرى الباحث أن هذا النموذج منح أبوظبي قدرة كبيرة على بناء شبكة نفوذ مرنة ومستدامة تمتد عبر البحر الأحمر والمحيط الهندي، وتعزز حضورها في الملفات الاقتصادية والأمنية في آن واحد.
بحسب التقرير، تعتمد السعودية على مقاربة ترتكز على دعم استقرار الدول وتعزيز أمن البحر الأحمر، مع التركيز على الاستثمار الزراعي والأمن الغذائي والدبلوماسية الإقليمية.
أما قطر، فتتبنى نموذجًا مختلفًا يقوم على الوساطة السياسية، وبناء شبكات العلاقات مع النخب، وتوظيف أدوات التمويل السياسي، خاصة في الصومال.
تداعيات اقتصادية تتجاوز ساحات الحرب
يتوقع التقرير أن تمتد آثار الحرب إلى معظم اقتصادات شرق إفريقيا، مع ارتفاع أسعار الوقود، واضطراب سلاسل الإمداد، وزيادة تكاليف الشحن والتأمين، ونقص الأسمدة، وهو ما سيضاعف الضغوط على الاقتصادات الهشة، خاصة كينيا وأوغندا والدول المعتمدة على التجارة البحرية.
يخلص التقرير إلى أن الحرب الإيرانية لم تُنهِ التنافس الخليجي في القرن الإفريقي، لكنها أعادت تشكيل قواعده. فالأمن البحري أصبح أولوية مشتركة، فيما تستمر المنافسة الاقتصادية والسياسية بأدوات أكثر تعقيدًا، لتظل منطقة القرن الإفريقي إحدى أهم ساحات إعادة رسم النفوذ الإقليمي في السنوات المقبلة، في ظل تشابك المصالح الخليجية والدولية على ضفتي البحر الأحمر.













