سباق الأمم المتحدة يشتعل.. هل ينجح “ماكي سال” في توحيد الموقف الأفريقي خلفه؟

منذ 46 دقيقةآخر تحديث :
سباق الأمم المتحدة يشتعل.. هل ينجح “ماكي سال” في توحيد الموقف الأفريقي خلفه؟
تقرير: فاطمة خليفة:

دخل سباق خلافة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش مرحلة جديدة، بعدما قررت السنغال للمرة الأولى وضع ثقلها السياسي والدبلوماسي خلف ترشيح رئيسها السابق ماكي سال، في خطوة أعادت إلى الواجهة سؤالًا طالما رافق الاستحقاقات الدولية الكبرى: هل تنجح إفريقيا هذه المرة في التوافق على مرشح يقود المنظمة الأممية؟

 

وجاء التحرك السنغالي بعد لقاء جمع الرئيس “باسيرو ديوماي فاي” بسلفه “ماكي سال”، أعقبه إعلان رسمي بتبني ترشيحه، وتكليف الحكومة ووزارة الخارجية والبعثات الدبلوماسية بالتحرك لحشد التأييد الدولي. 

 

لا يقتصر أثر القرار على الداخل السنغالي، بل يفتح الباب أمام سؤال أكبر يتعلق بقدرة “ماكي سال” على توحيد الموقف الإفريقي خلفه.

 فقد طالبت القارة السمراء مرارا بتمثيل أكبر داخل مؤسسات الأمم المتحدة، مما يجعل دورة اختيار الأمين العام المقبلة فرصة لإعادة طرح فكرة وصول شخصية إفريقية إلى قيادة المنظمة، خاصة في ظل تزايد حضور إفريقيا في ملفات السلم والأمن والهجرة والمناخ والتنمية.

 

دعم سنغالي.. والاختبار يبدأ من إفريقيا

لم يعد ترشيح سال مجرد مبادرة شخصية، بل أصبح مشروعًا تتبناه الدولة رسميا في واحدة من أكثر المنافسات الدولية حساسية. في خطوة أنهت أشهرًا من الغموض بشأن موقف السلطة الجديدة في دكار، وحولت ترشيح “ماكي سال” من مشروع شخصي إلى مشروع الدولة السنغالية.

ورغم أهمية الدعم الرسمي من دكار، فإن ذلك لا يعني تلقائيًا أن ماكي سال أصبح مرشح القارة الإفريقية. 

 

الوقائع تشير إلى أن الاتحاد الإفريقي لم يمنح حتى الآن أي تأييد رسمي لترشيحه، كما لم يعلن تبني أي مرشح موحد، وهو ما يجعل الخطوة السنغالية بداية لمعركة دبلوماسية أكثر منها نهاية لها.

 

وتكشف تجارب الاتحاد الإفريقي في الاستحقاقات الدولية السابقة أن التوافق على مرشح واحد لم يكن مهمة سهلة، إذ غالبًا ما اصطدمت الترشيحات بحسابات إقليمية وتنافس بين دول غرب وشرق وجنوب القارة، الأمر الذي أضعف في مرات عديدة فرص إفريقيا في الوصول إلى المناصب الدولية الكبرى.

 

ويرى مراقبون أن دكار تحاول هذه المرة قلب المعادلة، عبر إطلاق حملة مبكرة قد تدفع العواصم الإفريقية إلى الالتفاف حول مرشح واحد، بدلاً من تكرار سيناريو تعدد المرشحين الذي أضر بالقارة في مناسبات سابقة.

 

غير أن الطريق إلى المنصب لا يمر عبر التأييد الإفريقي وحده. فاختيار الأمين العام يبدأ داخل مجلس الأمن الدولي، حيث تمتلك الدول الخمس دائمة العضوية حق النقض (الفيتو)، قبل أن يرفع المجلس توصيته إلى الجمعية العامة لاعتمادها. 

وهذا يعني أن أي مرشح يحتاج، إلى جانب الدعم الإقليمي، إلى قبول القوى الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا.

 

ولم تعلن أي من هذه القوى موقفًا رسميًا من ترشيح ماكي سال، وهو ما يجعل المرحلة الحالية أقرب إلى اختبار دبلوماسي لقدرة السنغال على تسويق مرشحها داخل العواصم المؤثرة، أكثر من كونها منافسة حسمت ملامحها.

 

خبرة سياسية أم ورقة انتخابية؟

لم يعد ترشح الرئيس السنغالي السابق ماكي سال لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة مجرد مبادرة شخصية، بل تحول خلال الأيام الأخيرة إلى ملف سياسي ودبلوماسي تتقاطع عنده حسابات القارة الإفريقية وموازين القوى داخل المنظمة الدولية. 

 

لا يدخل ماكي سال السباق من فراغ، فهو أحد أكثر القادة الأفارقة حضورًا على الساحة الدولية خلال العقد الأخير؛ فقد حكم “سال” السنغال بين عامي 2012 و2024، وترأس الاتحاد الإفريقي في واحدة من أكثر الفترات تعقيدًا، التي شهدت الحرب الروسية الأوكرانية وأزمات الغذاء والطاقة وتداعيات جائحة كورونا.

 

وعلى مستوى السياسة الخارجية، عرف سال بانتهاج نهج براجماتي حافظ من خلاله على علاقات متوازنة مع الغرب، وفي الوقت نفسه عزز التعاون مع الصين وشركاء آخرين، دون الانخراط في سياسة المحاور، وهو ما قد يمثل نقطة قوة في سباق يتطلب مرشحًا قادرًا على مخاطبة عواصم متباينة المصالح.

 

وخلال تلك المرحلة، قاد اتصالات مع قادة القوى الكبرى، وشارك في جهود وساطة إقليمية، كما تبنى خطابًا يدعو إلى إصلاح المؤسسات المالية الدولية، ومنح إفريقيا تمثيلًا أكبر داخل منظومة الحوكمة العالمية.

 

وفي برنامجه المعلن للمنصب، يركز “سال” على إصلاح الأمم المتحدة، وتعزيز دورها في الوقاية من النزاعات، ودعم التنمية المستدامة، وإعطاء الدول النامية مساحة أكبر في صناعة القرار الدولي.

 

لكن هذا السجل لا يخلو من نقاط جدل، إذ تعرض خلال سنواته الأخيرة في الحكم لانتقادات من منظمات حقوقية ومعارضين بسبب طريقة تعامل السلطات مع الاحتجاجات السياسية، وهو ملف قد يعود إلى الواجهة مع احتدام المنافسة على المنصب.

 

العواصم الكبرى.. كلمة الحسم لم تقل بعد

مع انطلاق التحرك السنغالي رسميًا، تبدو المنافسة على قيادة الأمم المتحدة قد دخلت مرحلة أكثر سخونة، لكن السؤال الذي سيظل مطروحًا حتى اللحظات الأخيرة ليس فقط ما إذا كان ماكي سال سيصبح مرشح إفريقيا، بل ما إذا كانت القارة ستنجح هذه المرة في تحويل وزنها السياسي والديموغرافي إلى نفوذ فعلي داخل أعلى هرم المنظمة الدولية.

 

حتى الآن، لم تعلن الولايات المتحدة أو روسيا أو الصين أو فرنسا دعمها لأي من المرشحين، وهو أمر يراه دبلوماسيون طبيعيًا في هذه المرحلة، إذ تفضل الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن تأجيل إعلان مواقفها إلى حين اقتراب المشاورات الرسمية.

 

وتبقى هذه العواصم صاحبة التأثير الأكبر في السباق، لأن اختيار الأمين العام يبدأ داخل مجلس الأمن، حيث يستطيع أي عضو دائم استخدام حق النقض (الفيتو) لإسقاط أي مرشح، قبل رفع الاسم إلى الجمعية العامة لاعتماده.

 

ولهذا، فإن حصول أي مرشح على دعم قاري لا يضمن وصوله إلى المنصب، ما لم ينجح في تحقيق توازن سياسي يرضي القوى الكبرى أو على الأقل لا يثير اعتراضها.

 

القضايا العربية دائما حاضرة في خاطر أفريقيا

خلال سنوات حكمه ورئاسته للاتحاد الإفريقي، حافظ “ماكي سال” على علاقات وثيقة مع عدد من الدول العربية، خاصة في منطقة الخليج، كما تبنى مواقف داعمة لحل الدولتين في القضية الفلسطينية، ودعا مرارًا إلى احترام القانون الدولي ووقف التصعيد في مناطق النزاع، مع تركيز واضح على الحلول السياسية والدبلوماسية.

 

في المقابل، لا توجد حتى الآن مؤشرات على وجود موقف عربي موحد لدعم ترشيحه، كما لم تصدر الجامعة العربية أو أي تكتل عربي إعلانًا رسميًا بشأن الانتخابات المقبلة للأمانة العامة للأمم المتحدة.

 

ويشير ذلك إلى أن أي دعم عربي محتمل سيظل مرتبطًا بتطور السباق، وبالمواقف التي ستتخذها القوى الدولية والإفريقية خلال الأشهر المقبلة.

 

ويرى مراقبون أن وصول شخصية إفريقية مثل “ماكي سال” إلى الأمانة العامة قد يمنح القارة صوتًا أكبر داخل المنظمة، خصوصًا في ملفات الإرهاب والتنمية وتغير المناخ والهجرة، وهو ما يعني أن تأثيره سيكون أكبر في إدارة الأزمات، وتحريك الوساطات، والدفع نحو الحلول السياسية، أكثر من قدرته على فرض قرارات في الملفات الكبرى مثل الحرب في غزة، أو الصراع في الشرق الأوسط بين إيران وأمريكا.

 

ويبقى تأثير الأمين العام مرهونًا في نهاية المطاف بتوازنات مجلس الأمن، الذي يظل صاحب الكلمة الأكثر تأثيرًا في القضايا الدولية الكبرى، من الحرب في أوكرانيا إلى النزاعات في الشرق الأوسط.

 

كما يواجه سال تحديات لا تقل أهمية عن نقاط قوته، أبرزها الحاجة إلى توحيد الموقف الإفريقي خلف ترشيحه، وإقناع القوى الكبرى بأنه يمثل خيارًا توافقيًا لا يثير حساسيات سياسية، في وقت يتوقع أن يشهد السباق منافسة من شخصيات دولية تمتلك بدورها خبرات واسعة ودعمًا من كتل إقليمية مختلفة.

 

بين الحلم الإفريقي وتعقيدات السياسة الدولية

ما حدث في دكار لا يحسم هوية الأمين العام المقبل، لكنه يغير قواعد المنافسة. فالسنغال فتحت الباب أمام تحرك دبلوماسي قد يمنح ماكي سال فرصة للتحول من مرشح تدعمه بلاده إلى مرشح يحظى بغطاء إفريقي أوسع.

 

ويبقى السؤال الأهم معلقًا حتى بدء المشاورات الدولية: هل تنجح إفريقيا في تجاوز خلافاتها وتقديم مرشح موحد للمرة الأولى منذ سنوات، أم أن حسابات السياسة الدولية ستفرض مرة أخرى مرشحًا توافقيًا تصنعه موازين القوى داخل مجلس الأمن أكثر مما تصنعه أصوات القارة السمراء؟

الاخبار العاجلة