
بقلم: مصطفى زكريا
ليست كل النفوس تتحدث اللغة الأخلاقية نفسها؛ فما يراه إنسان احتراما ً، قد يراه آخر ضعفا ً، وما يراه الأول تسامحا ً، يفسره الثاني عجزا ً، وما يراه الأول نبلا ً، يراه الثاني فرصة ً للاستغلال. وهنا لا يكون الاختلاف في الفعل نفسه، وإنما في النفوس التي تفسره، والعدسات التي تنظر إليه، والتجارب التي تصوغ أحكامه.
كثيرا ً ما يشتكي الناس من أن أخلاقهم لم تُقابل بما تستحقه من تقدير، وأن حسن نياتهم فُسر على غير مقصده، وأن ما قدموه من معروف عاد عليهم بالأذى أو الجحود؛ والحقيقة أن المشكلة ليست دائما ً في الأخلاق، وإنما في اختلاف الناس في قراءة الأخلاق .. فالسلوك الواحد قد يحمل معاني متباينة باختلاف من يتلقاه؛ لأن كل إنسان لا يرى الأشياء كما هي، بل كما كوّنتها خبراته، وشكلتها تجاربه، ورسمتها قناعاته.
ومن هنا نفهم لماذا اختلفت نظرة البشر إلى الصفات نفسها عبر العصور؛
فالتواضع عند البعض رفعة .. وعند آخرين ضعف شخصية. والكرم عند قوم مروءة .. وعند غيرهم تبذير.
والصراحة عند فريق شجاعة .. بينما يراها آخرون وقاحة.
وحتى الصمت، قد يفسره إنسان حكمة .. بينما يراه غيره خوفا ً أو ترددا ً.
ولعل هذا ما جعل بعض الحكماء يطلقون أحكاما ً قاسية على الناس بعد أن صدمتهم تجارب الحياة .. ويأتي بيت المتنبي الشهير ليعبر عن تجربة إنسانية عاشها، لا عن حقيقة مطلقة تنطبق على كل البشر، حين قال:
إذا أكرمت الكريم ملكته .. وإن أكرمت اللئيم تمردا.
فالبيت لا يدعو إلى إساءة الظن بالناس، وإنما يعبر عن موقف إنساني تكرر مع صاحبه حتى صاغه في صورة شعرية خالدة. غير أن الخطأ يبدأ عندما نحول التجربة الفردية إلى قاعدة عامة، فنحاكم بها جميع البشر، بينما الواقع أكثر تنوعا ً وتعقيداً.
فالنفوس ليست سواء .. منها النفوس النبيلة التي تزداد وفاء ً كلما لقيت إحسانا ً، ومنها النفوس التي ترى في كل معروف فرصة للاستغلال، ومنها نفوس أنهكتها التجارب حتى أصبحت تشك في كل يد تمتد إليها بالخير ، ولذلك فإن ردود الأفعال لا تكشف دائما ً عن قيمة الفعل، بقدر ما تكشف عن طبيعة من تلقاه.
وهنا تظهر إحدى أهم حقائق العلاقات الإنسانية؛ فالناس لا يفسرون تصرفات الآخرين بعقول متجردة، وإنما يخلطون بين الواقع وتجاربهم السابقة، وبين السلوك الحالي وذكرياتهم القديمة، وبين ما يرونه أمامهم وما استقر في أعماقهم.
فمن اعتاد الخداع قد يشك في الصادقين، ومن عاش الوفاء يصدق حسن النوايا بسهولة، ومن امتلأ قلبه بالحقد قد يفسر الابتسامة نفاقا ً، بينما يراها صاحب القلب السليم مودة ً صادقة.
ولهذا فإن الحكمة لا تعني أن نتخلى عن أخلاقنا، وإنما أن ندرك أن الأخلاق وحدها لا تكفي لإدارة العلاقات مع الجميع. فالفضيلة تحتاج إلى بصيرة، والإحسان يحتاج إلى موضعه، والثقة تحتاج إلى من يستحقها. وليس من الحكمة أن نعامل جميع الناس بالطريقة نفسها، كما أنه ليس من العدل أن نحكم عليهم جميعا ً بالحكم نفسه.
إن الإنسان الناضج لا يغير مبادئه لأن بعض الناس أساؤوا فهمها، لكنه في الوقت نفسه يتعلم أن يقرأ النفوس كما يقرأ المواقف. فكما أن لكل إنسان لغة ً يتحدث بها، فإن لكل نفس أيضا ً لغتها الخاصة في فهم الأخلاق، ومن لا يدرك هذه الحقيقة سيظل يندهش كلما رأى الفضيلة تُقابل بالجحود، أو المعروف يُفسر ضعفا ً، أو التسامح يُستغل.
إن الأخلاق الرفيعة تظل قيمة في ذاتها، لا لأنها تضمن لنا دائماً حسن المعاملة، بل لأنها تعبر عن حقيقتنا نحن .. أما حسن قراءة النفوس، فهو الذي يحفظ لهذه الأخلاق مكانتها، ويمنعها من أن تتحول إلى باب يستغله من لا يقدرها، فليست الدعوة إلى الخير هي التي تحتاج إلى مراجعة، وإنما الطريقة التي نختار بها من نمنحه ثقتنا، ومن نفتح له أبواب قلوبنا.
وهكذا تبقى الأخلاق لغةً راقية، لكنها ليست لغةً يفهمها الجميع بالمعنى نفسه .. ومن أدرك ذلك، عاش متمسكا ً بفضيلته، دون أن يكون ساذجا ً، وحكيما ً في تعامله، دون أن يفقد إنسانيته. وهذا هو التوازن الذي يصنع الإنسان القوي؛ أخلاقٌ لا تتغير، وبصيرةٌ تعرف كيف تقرأ النفوس.
