بقلم: مصطفى زكريا
ليست قوة الإنسان في أن يُقنع الناس بأنه عظيم، وإنما في أن يعرف هو قدر نفسه معرفةً تمنعه من قبول ما ينتقص منها. فهناك فارق كبير بين من يبحث عن التقدير من الآخرين لأنه يفتقده في داخله، وبين من يحمل احترامه لذاته في قلبه، فلا يسمح لأحد أن يراه بأقل مما يعلم عن نفسه.
فالإنسان الممتلئ بذاته لا يعيش أسيرا ً لمديح الناس، ولا تنهار ثقته بنفسه إذا قصّر الآخرون في إنصافه .. لكنه، في الوقت نفسه لا يقبل أن يتحول الاحترام إلى منحة يمنحها الناس متى شاءوا ويمنعونها متى أرادوا، فهو يدرك أن الكرامة تبدأ من الداخل، وأن أول من يجب أن يحترم الإنسان هو نفسه.
ولذلك فإن احترام الذات لا يعني الغرور، كما يظن البعض .. فالغرور هو أن ترى نفسك فوق الآخرين، أما احترام الذات فهو أن ترفض أن يضعك أحد تحت المكانة التي تستحقها ،، الغرور يقود إلى التعالي، أما احترام الذات فيقود إلى الاتزان.
ومن يراقب الناس يكتشف أن الآخرين يتعلمون منا كيف يعاملوننا ؛ فمن اعتاد التنازل عن كرامته، أو الصمت على الإهانة، أو قبول التقليل من شأنه، يبعث برسالة غير معلنة مفادها أن هذه الحدود قابلة للكسر .. أما من يرسم حدوده بهدوء واحترام، فإنه لا يفرضها بالقوة، بل بثبات موقفه واتساق سلوكه.
ولعل المشكلة أن بعض الناس يخلطون بين التواضع وإهدار الذات؛ فالتواضع خُلُقٌ رفيع، لكنه لا يعني أن تتنازل عن حقك في الاحترام، ولا أن تسمح لأحد أن يقلل من قيمتك .. فالإنسان يستطيع أن يكون متواضعا ً في حديثه، بسيطا ً في مظهره، كريما ً في تعامله، لكنه يظل عزيز النفس، لا يبيع كرامته، ولا يقبل أن يُعامل بما لا يليق به.
إن الامتلاء الحقيقي بالذات لا يولد من المال، ولا من المنصب، ولا من الشهرة، بل من سلام داخلي يجعل الإنسان يعرف قيمته دون حاجة إلى التصفيق، ويتمسك بكرامته دون حاجة إلى الصخب .. ولذلك نجد أن أكثر الناس ثقة بأنفسهم هم أقلهم حاجة إلى استعراضها.
فالإنسان الذي يعرف قدر نفسه لا يطلب من الناس أن يرفعوه، لكنه أيضا ً لا يسمح لهم أن يخفضوه .. وهنا تكمن القاعدة التي تستحق أن نتذكرها دائما ً: ليست المشكلة أن الناس لا يعرفون قيمتك، وإنما أن بعضهم يختبر الحدود التي تسمح بها؛ فإذا كنت أول من يفرّط في احترام نفسه، فلن تجد من يحافظ عليه بعد ذلك .. أما إذا احترمت نفسك حقا ً، فقد لا يحبك الجميع، لكنهم سيعرفون جميعا ً أين تقف حدود التعامل معك.











