
بقلم: مصطفى زكريا
قد يكتشف مواطن أن هناك رقم هاتف محمول مسجلا ً باسمه، لم يشتره، ولم يستخدمه، وربما لم يسمع عنه من قبل، وقد يبدو الأمر للوهلة الأولى مجرد خطأ يمكن تصحيحه، لكن الحقيقة أن وراء هذا الرقم قضية أكبر كثيرا ً، قد تمس أمن المواطن ومسؤوليته القانونية، وتفتح بابا ً خطيرا ً يتعلق بحماية بيانات المصريين وكيفية استخدامها.
وقد أعاد تقرير نشره موقع «اليوم السابع» فتح هذه القضية، مشيرا ً إلى وجود خطوط محمول مسجلة بأسماء مواطنين دون علمهم، وإلى أن جانبا ً من المشكلة ارتبط، خاصة في فترات سابقة، بممارسات بعض منافذ بيع الخطوط التي استغلت بيانات وصور بطاقات الرقم القومي للعملاء في تسجيل خطوط إضافية بأسمائهم.
وهنا يصبح السؤال أخطر من مجرد: هل يوجد خط آخر مسجل باسمك؟
السؤال الحقيقي هو:
كيف استطاع شخص آخر أن يستخدم هويتك ليسجل بها خطا ً دون علمك؟
فالخط المحمول لم يعد مجرد وسيلة لإجراء المكالمات، وإنما أصبح جزءا ً من الهوية الرقمية لصاحبه، وقد يرتبط بحسابات وتطبيقات ومعاملات مالية، وقد يُستخدم – في أسوأ الاحتمالات – في عمليات احتيال أو ابتزاز أو ارتكاب جريمة .. وعندما تبدأ الجهات المختصة في تتبع الرقم، فإن أول ما ستقود إليه البيانات هو اسم المواطن ورقمه القومي المسجل بهما الخط.
فالمشكلة ليست أن هناك خطا ً لا تعرفه مسجلا ً باسمك ؛ المشكلة أن هناك نظاماً استطاع في لحظةٍ ما، أن يسمح لشخص آخر بأن يصبح «أنت» أمام قاعدة البيانات.
ومن حق المواطن أن يسأل: كيف تم تسجيل هذه الخطوط؟ وهل كان ممكنا ً تسجيل خط دون حضور صاحبه والتحقق الحقيقي من هويته؟
ومن المسؤول عن منافذ البيع التي قامت بذلك؟
وإذا قدم مواطن صورة بطاقته القومية لإتمام معاملة محددة، فمن يضمن ألا تُستخدم مرة أخرى في معاملة لم يطلبها ولم يوافق عليها؟
لقد أتاح الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات من خلال خدمة «أرقامي» بتطبيق My NTRA للمواطن معرفة أرقام المحمول المسجلة باسمه، وهي خطوة مهمة ينبغي الاستفادة منها، والتقدم فورا ً لإلغاء أي خط يكتشف أنه مسجل باسمه دون علمه.
لكن القول للمواطن: افحص الخطوط المسجلة باسمك، كخطوة ضرورية لحمايته؛
لكنها لا يمكن أن تكون إجابة الدولة الكاملة عن سؤال:
كيف سُجلت باسمه أصلا ً؟
فالمواطن لم يرتكب الخطأ حتى يتحمل وحده عبء اكتشافه وتصحيحه !.. وإذا كانت هناك ثغرة سمحت بتسجيل خطوط دون علم أصحابها، فالمطلوب ليس فقط إغلاقها، وإنما معرفة حجم المشكلة، ومنافذ البيع التي صدرت منها، والمسؤولين عنها، والتأكد من وجود نظام يمنع تكرارها.
كما ينبغي أن تكون هناك آلية واضحة تحمي المواطن قانونيا ً إذا ثبت أن هناك خط استُخرج باسمه دون علمه، خاصةً إذا استُخدم في ارتكاب مخالفة أو جريمة .. فلا يستقيم أن يتحمل إنسان تبعات تصرف لم يقم به لمجرد أن بياناته استُخدمت دون إرادته.
إننا نعيش عصرا ً أصبحت فيه الهوية الرقمية امتدادا ً للهوية الشخصية، ولذلك فإن حماية بيانات المواطن لم تعد مسألة تقنية تخص شركات الاتصالات وحدها، وإنما مسؤولية تمس الأمن الشخصي والقانوني لملايين المصريين.
ولهذا فإنني أوجه نداء ً واضحا ً إلى وسائل الإعلام المصرية ألا تتعامل مع هذه القضية باعتبارها خبرا ً عابرا ً، وإنما أن تفتحها للنقاش والتحقيق، وإلى الأحزاب السياسية أن تضعها على جدول اهتمامها، وإلى أعضاء مجلس النواب أن يستخدموا أدواتهم الرقابية بتقديم طلبات الإحاطة والاستجوابات إلى وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، ليس فقط للسؤال عن عدد الخطوط المسجلة بأسماء مواطنين دون علمهم، وإنما عن كيفية حدوث ذلك، ومن المسؤول عنه، وما الإجراءات التي اتُخذت لمحاسبة المتسببين، وما الضمانات التي تمنع تكراره وتحمي المواطنين من تبعاته؛
فهذه قضية لا ينبغي أن تُغلق قبل أن نعرف:
من سمح بأن يصبح مواطن مسؤولا ً عن خط لا يعرفه، ومن سيضمن ألا يحدث ذلك مرة أخرى؟
