
بقلم: لواء مصطفى زكريا
في زمنٍ تتقاطع فيه الفتاوى مع قضايا الهوية، وتختلط فيه النوايا بالمظاهر، تبرز من جديد قضية زيارة الآثار الفرعونية:
هل هي حرام كما يرى البعض؟ أم أنها في جوهرها رحلة إيمانية وتاريخية تعيد للإنسان وعيه بمسار الحضارة وقدر الخالق؟
حين أفتى الشيخ صالح الفوزان — عضو هيئة كبار العلماء بالسعودية — بعدم جواز زيارة الآثار “ إذا كانت بقصد التفرّج أو الإعجاب بأصحابها أو تعظيم حضارتهم”.
وتعقيبا ً علي ما أثاره رأيه منذ فترة جدلا ً واسعا ً في العالم العربي خصوصا ً في مصر، حيث ترتبط الأهرامات والمعابد والمقابر الفرعونية بجذور الوجود ذاته، لا بعقيدة الشرك التي زالت مع مرور الزمن:
الفتوى من منظورها الفقهي تُبنى على قاعدة (سدّ الذرائع)، أي منع ما قد يؤدي إلى محظور ديني، كتمجيد من كانوا يُعبدون من دون الله، وهي في أصلها نية تحفظ نقاء العقيدة، لكنها في الوقت نفسه تتجاهل السياق الحضاري والوطني المختلف الذي يُمارَس فيه الفعل اليوم.
فزيارة المصري لآثاره ليست طقسا ً دينيا ً ، بل رحلة وعي وهوية، يرى فيها كيف بنى أجداده حضارة من حجرٍ وطينٍ ونيل، وكيف جسّدوا الإيمان بالبعث والخلود قبل أن تنزل الرسالات السماوية.
ومن يزور المعابد الآن لا يسجد لصنم !.. بل يقف مبهورا ً أمام دقة الإنسان حين آمن بفكرة الخلود، وكرّس عمره لكتابة التاريخ على الجدران، فكان بذلك شاهدا ً على قدرة الله في منح الإنسان موهبة الخلق والتعمير.
إن تحريم الزيارة مطلقا ً يعني محو حق الإنسان في التعلم من ماضيه، وإلغاء أحد أكبر مصادر الإقتصاد السياحي والفخر الوطني فالملايين من المصريين يعيشون من خلف تلك المواقع، وهي ليست معابد شرك، بل متاحف للتاريخ والوعي الإنساني، بل إن القرآن نفسه دعا إلى السير في الأرض للنظر والاعتبار:
{فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ}
فكيف يُنهى المسلم عن النظر في آثار قوم ٍ مضوا، والله ذاته يدعوه إلى التأمل في مصائرهم؟
الفرق الجوهري بين “التنزه المادي” ، و“الاعتبار الروحي” هو النية.
من يقف أمام الأهرامات ليقول: “ما أعظم الإنسان” ، دون أن يتذكر خالقه، فقد أخطأ التوازن.
ومن يقف أمامها ليقول: “سبحان من أبدع في خلق العقل الذي شيّدها”، فقد ارتقى في الفهم والإيمان.
فزيارة الآثار إذن، ليست عبادة ولا معصية بحد ذاتها، بل فعلٌ يحدده القصد ويمنحه الإنسان معناه الأخلاقي.
إن احترام التاريخ لا يتعارض مع التوحيد، كما أن دراسة الماضي لا تُنقص من الإيمان، بل تعمّقه.
والأمة التي تنكر حضارتها القديمة تُصاب بانفصام في الهوية، وتفقد إحدى ركائز قوتها الثقافية والروحية.
والمفارقة أن المصري الذي يقف أمام تمثال “رمسيس” لا يراه إلهاً ، بل رمزا ً لإنسانٍ صنع مجده بعمله، ثم مضى كما مضى كل البشر.
من هنا، فالقضية ليست (فتوى ضد زيارة)، بل حوار بين منهجين:
منهجٍ يرى العالم بمنظار التحريم خوفا ً من الانزلاق، ومنهجٍ يراه بمنظار الوعي الذي يربط بين الإيمان والعلم، بين الماضي والحاضر.
والحكمة — كما قال الإمام علي — “ ضالّة المؤمن؛ أنّى وجدها فهو أحقّ بها ”.
في النهاية، لا تعارض بين الدين والحضارة إلا في عقولٍ لا تفرّق بين الأصنام كرمزٍ للجهل، والآثار كرمزٍ للذاكرة.
وزيارة المعابد والتماثيل ليست خيانة للعقيدة، بل درسٌ في الإيمان بالعِبرة قبل العبادة، وفي التفكر بسنن الله في خلقه قبل ترديد النصوص عنهم.
فمن أراد أن يرى قدرة الخالق في مخلوقاته، فلينظر إلى ما صنعه الإنسان المصري حين آمن بالحياة بعد الموت، وليقُل عندها في خشوع ٍ :
” سبحان من علّم الإنسان ما لم يعلم “.
وعموما ً؛ وبعيدا ً عن رأيي الشخصي الذي أوضحته عاليه ، فدعونا نختتم الموضوع بموقف الأزهر الشريف بمناسبة الجدل الذي أثارته الفتوى، وجاء ردّ الأزهر أكثر اتزانا ً ووعيا ً بطبيعة المجتمع المصري وهويته الحضارية؛ حيث أكّد عدد من علمائه، وفي مقدمتهم الدكتور أحمد كريمة — أستاذ الشريعة بجامعة الأزهر — أن القول بتحريم زيارة الآثار المصرية “باطل ولا أصل له في الشريعة”، موضحا ً أن الإسلام لا يُحرّم النظر في تاريخ الأمم ولا يمنع التعرف على آثارها، ما دامت النية هي الاعتبار والتأمل في سنن الله في خلقه.
بل إن الأزهر نفسه أصدر من خلال مجمع البحوث الإسلامية كتابا ً بعنوان “الحفاظ على الآثار في الإسلام”، يؤكد فيه أن صون التراث الإنساني واجب شرعي، لأن الآثار تُمثل ذاكرة الأمة وشاهدا ً على عبقرية الإنسان الذي استخلفه الله في الأرض ليعمرها لا ليُدمرها.
وهكذا تتكامل الرؤية بين الفقه والعقل، حين يصبح الإيمان طريقا ً للفهم لا للحظر، وحين يُدرك المسلم أن النظر إلى آثار أجداده ليس خروجا ً عن التوحيد، بل عودة إلى جوهره الأصيل (التفكر في خلق الله عبر ما صنعه الإنسان في رحلته الطويلة على الأرض).
