بعد إعلان التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران، جاء الاتفاق المرتقب بعد أشهر من التصعيد العسكري المتبادل بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، وهي المواجهة التي أثارت مخاوف واسعة بشأن أمن الملاحة في الخليج واستقرار أسواق الطاقة العالمية.
ومع تدخل وساطات إقليمية ودولية، انتقلت الأزمة تدريجياً من الميدان العسكري إلى المسار السياسي، وبعد الاتفاق لم يعد السؤال مقتصرًا على حجم الخسائر العسكرية، بل امتد إلى ما إذا كانت إيران نجحت في توظيف نتائج الحرب سياسياً وتحويلها إلى مكاسب تحفظ لها موقعها الإقليمي وتمنع خصومها من تحقيق أهدافهم كاملة.
لم تخرج إيران من الحرب الأخيرة دون أثمان باهظة. فقد تعرضت منشآت عسكرية وحيوية لضربات قاسية، وواجه اقتصادها ضغوطًا متزايدة، فيما بدا المشهد في لحظات عديدة وكأنه يميل لصالح خصومها.
فعندما اندلعت المواجهة الأخيرة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، بدا أن طهران تواجه واحدة من أصعب لحظاتها منذ سنوات. استهدفت الضربات العسكرية مواقع استراتيجية ومنشآت حساسة، فيما تعرض الاقتصاد الإيراني لضغوط إضافية نتيجة التوترات المتصاعدة.
خسائر ميدانية لا يمكن تجاهلها
دخلت إيران مرحلة المفاوضات بعد أسابيع من المواجهات التي ألحقت أضراراً بعدد من منشآتها العسكرية والبنى المرتبطة ببرنامجها الدفاعي، كما واجهت تحديات اقتصادية متزايدة نتيجة اضطراب التجارة والطاقة وتراجع الاستثمارات وارتفاع تكلفة المواجهة.
كما كشفت الحرب عن حجم الضغوط التي يمكن أن تتعرض لها طهران في حال تحول التصعيد إلى مواجهة مفتوحة وطويلة الأمد، خاصة مع انخراط الولايات المتحدة بشكل مباشر إلى جانب إسرائيل.
منع الأسوأ.. أول مكسب سياسي
رغم تلك الخسائر، يبدو أن القيادة الإيرانية تنظر إلى الاتفاق من زاوية مختلفة. فبالنسبة لطهران، لم يكن الهدف الأساسي تحقيق انتصار عسكري بقدر ما كان منع تحول الحرب إلى مشروع لإسقاط النظام أو فرض استسلام سياسي كامل.
ومن هذا المنطلق، يمكن اعتبار مجرد الوصول إلى اتفاق تفاوضي مع واشنطن أحد المكاسب السياسية المهمة بالنسبة للإيرانيين، إذ حافظت الدولة على مؤسساتها الرئيسية واستمرت طرفاً رئيسياً في أي ترتيبات تخص مستقبل المنطقة.
من الحرب إلى طاولة التفاوض
أحد أبرز المؤشرات التي تستند إليها طهران في الحديث عن نجاحها السياسي يتمثل في انتقال الأزمة من ساحة المواجهة العسكرية إلى طاولة المفاوضات.
فبدلاً من الحديث عن تغيير النظام أو فرض شروط أحادية، أصبحت المفاوضات تدور حول ترتيبات أمنية وسياسية واقتصادية متبادلة، وهو ما يمنح إيران فرصة لإعادة ترتيب أوراقها الداخلية والخارجية بعد مرحلة من الضغوط غير المسبوقة.
ربما تكون إيران قد خسرت جزءاً من قدراتها العسكرية، لكن نجاحها في الانتقال من ساحة المواجهة إلى طاولة التفاوض دون انهيار النظام أو التخلي الكامل عن أوراقها الإقليمية يفسر لماذا تتعامل طهران مع الاتفاق باعتباره محطة لإعادة التموضع أكثر منه نهاية للصراع.
هرمز والطاقة.. ورقة إيرانية حاضرة
كشفت الأزمة مجدداً أهمية الموقع الجغرافي لإيران ودورها في أمن الطاقة العالمي. فإغلاق مضيق هرمز أو التهديد بإغلاقه أعاد إلى الواجهة حقيقة أن استقرار أسواق النفط والغاز لا يمكن فصله عن التطورات في إيران.
ومع الحديث عن إعادة فتح الممرات البحرية وعودة حركة الملاحة بصورة طبيعية، تبدو طهران وكأنها استعادت جزءاً من قدرتها على التأثير في معادلات الطاقة العالمية، وهي ورقة لطالما استخدمتها خلال الأزمات الكبرى.
ماذا ربحت واشنطن؟
في المقابل، تبدو الولايات المتحدة وكأنها خرجت من الاتفاق بلا مكاسب سياسية، ولكن تمثلت مكاسبها العسكرية في كم الخسائر العسكرية والاقتصادية التي تكبدتها طهران على يد واشنطن.
ولكي لا تخرج الإدارة الأميركية بلا مكاسب حقيقية من الاتفاق، فقد سعت إلى تثبيت قيود على البرنامج النووي الإيراني واحتواء التوترات العسكرية وتأمين الملاحة الدولية وتهدئة أسواق الطاقة التي تأثرت بشدة خلال الحرب.
بعد مرحلة من التصعيد العسكري الحاد، لم يمنح الاتفاق الرئيس الأميركي فرصة لتقديمه باعتباره نجاحاً دبلوماسياً، مقارنة بأهداف الحرب التي وضعها ترامب والتي لم يتحقق منها شيء، خاصة هدف إسقاط النظام الإيراني.
إسرائيل بين الإنجاز العسكري والأسئلة السياسية
أما إسرائيل، التي ركزت خلال الحرب على توجيه ضربات للبنية العسكرية الإيرانية، فتواجه اليوم سؤالاً مختلفاً: هل تكفي الإنجازات العسكرية إذا انتهت الأزمة باتفاق يعيد إيران إلى طاولة التفاوض لاعباً أساسياً في مستقبل المنطقة؟
هذا السؤال لا تزال إجابته محل نقاش داخل الأوساط السياسية والأمنية، خاصة مع استمرار الغموض حول التفاصيل النهائية للاتفاق وآليات تنفيذه.
هل ربحت إيران فعلاً؟
الإجابة ليست بسيطة. فمن الصعب الحديث عن انتصار إيراني في ظل الخسائر العسكرية والاقتصادية التي تكبدتها البلاد.
لكن من الصعب أيضاً اعتبار ما جرى هزيمة سياسية كاملة، بعدما نجحت طهران في إسقاط أهداف الحرب الأمريكية جميعها، خاصة أن النظام الذي خاضت الحرب لإسقاطه هو الذي يخوض اليوم الاتفاق معها.
بالنظر إلى بنود الاتفاق التي أعلن عنها، يتبين أن طهران نجحت في الوصول إلى اتفاق يحافظ على موقعها التفاوضي ويمنحها فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب أولوياتها، من خلال البنود التي نصت على: (استكمال التفاوض حول البرنامج النووي الإيراني ومستقبل اليورانيوم المخصب، وبحث ملف العقوبات والأصول الإيرانية المجمدة في مراحل لاحقة).
أما عن البند المتعلق بـ (إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية) فهو أيضا يعد من مكاسب إيران السياسية؛ إذا ما قورن بالبند الذي يتحدث عن (تخفيف القيود البحرية الأميركية المرتبطة بالموانئ الإيرانية).
جاء الاتفاق المرتقب بعد أشهر من التصعيد العسكري المتبادل بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، وهي المواجهة التي أثارت مخاوف واسعة بشأن أمن الملاحة في الخليج واستقرار أسواق الطاقة العالمية.
ومع تدخل وساطات إقليمية ودولية، انتقلت الأزمة تدريجياً من الميدان العسكري إلى المسار السياسي.
في المحصلة، قد تكون إيران خسرت جزءاً من قدراتها العسكرية خلال الحرب، لكنها تحاول اليوم توظيف نتائج الاتفاق لتثبيت مكاسب سياسية واستراتيجية تحول دون ترجمة تلك الخسائر إلى تراجع دائم في نفوذها.
وبينما تتضح ملامح الاتفاق تدريجياً، سيبقى الحكم النهائي مرتبطاً بما إذا كانت طهران ستتمكن من تحويل التهدئة الحالية إلى فرصة لإعادة بناء قوتها وموقعها الإقليمي، أم أن الاتفاق لن يكون سوى هدنة مؤقتة في صراع لم تُحسم فصوله بعد.












