الثقافة تصنع الإنسان ؛؛؛ والدولة تصنع الفرصة

منذ 3 ساعاتآخر تحديث :
الثقافة تصنع الإنسان ؛؛؛ والدولة تصنع الفرصة

بقلم مصطفى زكريا

كلما دار الحديث عن أسباب تقدم الأمم وتأخرها، انقسم الناس عادة إلى فريقين؛ فريق يُحمّل المواطن كل المسؤولية، ويرى أن المشكلة تكمن في سلوكيات الأفراد وثقافتهم وعاداتهم اليومية، وفريق آخر يُحمّل الدولة وحدها المسؤولية، ويرى أن المواطن لا يملك من أمره شيئا ً وأن كل شيء يبدأ وينتهي عند الحكومة . . وبين هذين الرأيين تضيع الحقيقة، رغم أنها أبسط مما نتصور: فالثقافة تصنع الإنسان، والدولة تصنع الفرصة.

لقد أثبتت تجارب الأمم أن الموارد الطبيعية وحدها لا تصنع التقدم، وإلا لكانت بعض الدول الغنية بالثروات في مقدمة دول العالم .. كما أثبتت التجارب ذاتها أن الأخلاق والانضباط وحدهما لا يكفيان لتحقيق النهضة إذا غابت المؤسسات القادرة على توظيف تلك الطاقات وتوجيهها نحو البناء والتنمية.
فالإنسان الذي يحترم الوقت، ويؤدي عمله بإخلاص، ويحافظ على المال العام، ويلتزم بالقانون، يمثل ثروة حقيقية لأي مجتمع .. لكن هذا الإنسان يحتاج أيضا ً إلى تعليم جيد يطور قدراته، وإلى مؤسسات عادلة تكافئ المجتهد، وإلى قوانين تطبق على الجميع دون استثناء، وإلى بيئة تسمح له بالابتكار والعمل والإنتاج.

وفي المقابل؛ فإن أفضل الخطط الحكومية قد تتعثر إذا لم تجد مواطنين مستعدين لتحمل المسؤولية، فكم من مشروع تعثر بسبب الإهمال؟ وكم من خدمة تراجعت بسبب غياب الضمير المهني؟ وكم من قانون فقد هيبته بسبب عدم احترامه من جانب البعض؟
إن التنمية ليست قرارا ً حكوميا ً يصدر من أعلى فحسب، بل هي ثقافة عامة يشارك فيها الجميع.

وعندما ننظر إلى الدول التي حققت قفزات تنموية كبيرة خلال عقود قليلة، نجد أن نجاحها لم يكن نتيجة عامل واحد؛ فقد اجتمع فيها التعليم الجيد مع الإدارة الكفؤة، والتخطيط طويل المدى مع احترام القانون، والانضباط المجتمعي مع وجود مؤسسات قوية .. لذلك لم تكن النهضة هناك معجزة، بل كانت حصيلة عمل متواصل وتكامل بين الدولة والمجتمع.

ومن الأخطاء الشائعة أن ننشغل بالبحث عن الطرف المسؤول وننسى أن النجاح لا يتحقق إلا بالشراكة؛ فالدولة التي توفر الفرص دون أن تجد مواطنين قادرين على استثمارها لن تحقق ما تطمح إليه، كما أن المواطن المجتهد قد يصطدم بعقبات كثيرة إذا غابت العدالة أو ضعفت المؤسسات أو تراجعت جودة الخدمات الأساسية.

ولهذا فإن بناء الأوطان يبدأ من مسارين متوازيين لا يغني أحدهما عن الآخر؛ بناء الإنسان من خلال التربية والتعليم والثقافة والقيم، وبناء الدولة من خلال المؤسسات والقوانين والإدارة الرشيدة والتخطيط للمستقبل .. وكل محاولة للاعتماد على أحد المسارين دون الآخر ستظل ناقصة النتائج مهما كانت النوايا طيبة.

إن الأمم لا تبنيها الحكومات وحدها، ولا الشعوب وحدها ؛ فالحكومة تستطيع أن تشق الطريق، لكن المجتمع هو الذي يسير فيه.
وحين يلتقي المواطن المسؤول مع المؤسسة الكفؤة، والثقافة الواعية مع الإدارة الرشيدة، تبدأ رحلة النهضة الحقيقية التي تصنع المستقبل وتبني الأوطان.

الاخبار العاجلة