أثارت نتائج تحقيقات النيابة العامة في ليبيا حالة من القلق الواسع، بعدما كشفت أن 65% من عينات المحاصيل الزراعية المتداولة في الأسواق تحتوي على متبقيات مبيدات زراعية محظورة ومواد تصنفها الهيئات الدولية بأنها مسرطنة، في قضية وُصفت بأنها من أخطر التهديدات التي تواجه الأمن الغذائي في البلاد.
وأوضحت النيابة العامة أن التحقيقات، التي بدأت منذ فبراير الماضي، كشفت عن ثغرات رقابية سمحت بدخول مبيدات إلى السوق الليبية دون بيانات تعريفية توضح مكوناتها أو المواد الفعالة الداخلة في تصنيعها، قبل أن تُجمع عينات من محاصيل معروضة في أسواق طرابلس وبنغازي ومصراتة لإخضاعها للفحص المخبري.
وأظهرت نتائج التحاليل احتواء غالبية العينات على آثار سبعة مبيدات محظورة بموجب التشريعات الليبية، أو مواد مصنفة دولياً على أنها مسببة للسرطان والطفرات الجينية، فيما تجاوزت بعض العينات الحدود القصوى المسموح بها من متبقيات المبيدات.
وعقب إعلان النتائج، عقد النائب العام الصديق الصور اجتماعاً ضم وزراء الزراعة والاقتصاد والبيئة، إلى جانب مسؤولي أجهزة الحرس البلدي والشرطة الزراعية والشرطة البيئية ومركز الرقابة على الأغذية والأدوية، لبحث إجراءات عاجلة لتعزيز منظومة الأمن الغذائي وتشديد الرقابة على استيراد وتداول المبيدات.
وأكد الصور أن التحقيقات الأولية كشفت عن خلل رقابي سمح بمرور مبيدات غير مطابقة للاشتراطات، داعياً إلى تحديث قوائم المبيدات المحظورة وإضافة أسمائها التجارية لمنع التحايل، وتشديد الرقابة على عمليات الاستيراد.
وفي موازاة ذلك، أعلنت النيابة ضبط كميات من مبيدات مصنفة على أنها مسرطنة ومسببة لأمراض مزمنة خلال حملات تفتيش استهدفت مستودعات وقنوات توزيع يشتبه في تداولها لهذه المواد، مع التحفظ على المضبوطات واحتجاز حائزيها، تمهيداً لاستكمال التحقيقات وتحديد المسؤوليات الجنائية بحق المتورطين في استيرادها أو الاتجار بها.
وفي سياق متصل، نفت منال أبو عميد صحة ما تردد بشأن مداهمة مزرعة تابعة لها وضبط مبيدات محظورة داخلها، مؤكدة أن ما جرى يندرج ضمن حملة رقابية شاملة شملت مختلف المناطق الزراعية في ليبيا، وأن العينات التي سُحبت ستُفرج عنها إذا أثبتت الفحوص مطابقتها للمواصفات وخلوها من المواد المحظورة، متهمة بعض الجهات بتوظيف القضية لأغراض سياسية، ومعلنة احتفاظها بحقها القانوني تجاه من روج لهذه المزاعم.
من جانبه، دعا الباحث بمركز البحوث الزراعية أسامة سليك إلى تشديد الرقابة على المنافذ الحدودية لمنع تهريب المبيدات السامة، مؤكداً أن الحل لا يقتصر على الإجراءات الأمنية، بل يتطلب إصلاحاً شاملاً لسوق تداول المبيدات، وقصر بيعها على مراكز متخصصة يشرف عليها مهندسون زراعيون ومختصون.
ويرى مراقبون أن القضية تجاوزت كونها مخالفة زراعية لتتحول إلى اختبار حقيقي لقدرة مؤسسات الدولة على حماية الأمن الغذائي والصحة العامة، في وقت تؤكد فيه النيابة العامة استمرار ملاحقة جميع المتورطين في استيراد أو تداول المبيدات المحظورة أو إساءة استخدام المبيدات المسموح بها، حفاظاً على سلامة المواطنين والمنتجات الزراعية.














