لماذا أصبحت الشقة حلمًا بعيد المنال؟
<< امتلاك شقة متوسطة المساحة أصبح يحتاج إلى سنوات طويلة من العمل والادخار
<< أسرة متوسط دخلها السنوي 240 ألف جنيه تحتاج ما بين 10 و19 عامًا لشراء شقة في المدن الجديدة
<< تأخر تسليم الوحدات عن موعدها، يضيع فرص الاستفادة منها ويقلل من قيمتها
<< الثروة العقارية يتجاوز 10 تريليونات جنيه، موزعة على أكثر من 43 مليون عقار ووحدة،
<< الحل يتطلب تدخلات متوازنة من الدولة والقطاع الخاص في الوقت نفسه
مازال المواطن مستمر في البحث عن شقة الأحلام ومسكن العمر، ومازالت الفجوة تتسع بين الواقع المادي للمواطن وبين حلم الاستقرار السكني بعيد المنال، وإذا كانت شركات العقارات لم تعد تسعر مشروعاتها وفق تكلفة البناء الحالية، بل وفق ما تتوقعه من تضخم وزيادات في تكاليف التنفيذ خلال السنوات المقبلة، كما يرى المطورون أن العقار لم يعد مجرد سلعة سكنية، وإنما تحول تدريجيًا إلى مخزن للقيمة وأداة استثمار.
فيبقى السؤال الأكثر إلحاحًا من يستطيع سد الفجوة بين أسعار الوحدات السكنية ومستويات الدخول إلى هذا الحد، رغم الطفرة العمرانية غير المسبوقة التي شهدتها مصر خلال السنوات الأخيرة؟
ويواصل “العربي الأفريقي” فتح ملف السوق العقارية في مصر، بالانتقال من مناقشة آليات التسعير والبحث في جذور الفجوة بين أسعار الوحدات السكنية ومستويات الدخول،إلى رصد ما إذا كانت الأزمة ترتبط بارتفاع أسعار العقارات وحدها، أم بمتغيرات اقتصادية أعادت تشكيل السوق خلال السنوات الأخيرة.
حين يصبح امتلاك شقة مشروع عمر كامل
لم تعد أزمة العقارات في مصر تقاس بحجم الزيادة في أسعار الوحدات السكنية فقط، وإنما بعدد السنوات التي يحتاجها المواطن حتى يمتلك منزلًا.
ويرى الدكتور ياسر حسين سالم، الخبير الاقتصادي والمالي الدولي، أن هذا المؤشر يعكس بصورة أكثر دقة حجم الاختلال بين سوق العقارات ومستويات الدخول، موضحًا أن اتساع الفجوة خلال السنوات الأخيرة جاء نتيجة ارتفاع أسعار الوحدات بوتيرة تجاوزت بكثير معدلات نمو الأجور والمرتبات.
ويقول إن امتلاك شقة متوسطة المساحة أصبح يحتاج إلى سنوات طويلة من العمل والادخار، لافتًا إلى أن قياس عدد السنوات اللازمة لشراء وحدة سكنية يعد من أهم المؤشرات الاقتصادية المستخدمة لقياس قدرة المواطنين على التملك، فكلما ارتفع هذا الرقم اتسعت الفجوة بين الدخول والأسعار.
ويضرب مثالًا بأن أسرة يبلغ متوسط دخلها السنوي نحو 240 ألف جنيه تحتاج نظريًا إلى ما بين 10 و19 عامًا من إجمالي دخلها لشراء شقة في المدن الجديدة إذا وجهت كامل دخلها لهذا الغرض، وهو افتراض يوضح حجم الأزمة أكثر مما يمثل واقعًا عمليًا، إذ لا تستطيع أي أسرة تخصيص كامل دخلها لشراء مسكن.
ويضيف أن الفجوة تختلف من مدينة إلى أخرى، لكنها تظل مرتفعة في معظم المدن الجديدة؛ إذ قد يحتاج شراء وحدة في العاصمة الإدارية الجديدة إلى ما يقارب 19 عامًا من متوسط الدخل، بينما يقترب الرقم من 17 عامًا في القاهرة الجديدة، ونحو 15 عامًا في الشيخ زايد، وينخفض إلى ما بين 10 و12 عامًا في مدن مثل السادس من أكتوبر والشروق والعبور.
ويرى “سالم” أن هذه الأرقام تعكس حجم الضغوط التي تواجهها الأسر الراغبة في التملك، خاصة في ظل استمرار ارتفاع الأسعار بوتيرة أسرع من نمو الدخول.
لماذا لم تنه الطفرة العمرانية أزمة السكن؟
ورغم التوسع الكبير الذي شهدته مصر في إنشاء المدن الجديدة وزيادة المعروض من الوحدات السكنية، يرى الخبير الاقتصادي أن هذه الطفرة لم تنجح في تقليص الفجوة بين الأسعار والقدرة الشرائية.
ويشير “سالم” إلى أن الدولة نفذت منذ عام 2014 نحو 1.5 مليون وحدة سكنية، بالتوازي مع التوسع في المدن الجديدة، إلا أن الطلب واصل نموه مدفوعًا بالزيادة السكانية والتوسع العمراني، بينما استمرت الأسعار في الارتفاع بوتيرة أسرع من نمو الدخول.
وبحسب رؤيته، فإن زيادة المعروض وحدها لا تكفي لإعادة التوازن إلى السوق، طالما ظل المواطن غير قادر على مواكبة الارتفاعات المتتالية في الأسعار.
ويضيف أن ارتفاع أسعار الأراضي، وزيادة تكلفة مواد البناء، وصعود أسعار الفائدة، وارتفاع أجور العمالة وتكاليف التنفيذ، كلها عوامل دفعت أسعار العقارات إلى مستويات جديدة، بينما لم تشهد الدخول الزيادات نفسها، وهو ما أدى إلى اتساع الفجوة عامًا بعد آخر.
هل تنتهي رحلة المشتري بمجرد توقيع العقد؟
قد تبدو أنظمة التقسيط الممتدة، التي تعتمد عليها شركات التطوير العقاري، فرصة تتيح تجاوز الارتفاع الكبير في أسعار الوحدات، لكن تجربة بعض المشترين تشير إلى أن توقيع العقد ليس نهاية الرحلة، بل بدايتها.
يقول “يوسف محمد”، الذي خاض تجربة شراء وحدة سكنية بنظام التقسيط: أن العامل الحاسم في قراره كان طول فترة السداد، إذ رأى فيها وسيلة تمكنها من دخول السوق دون الحاجة إلى توفير قيمة الوحدة دفعة واحدة، في ظل القفزات المتتالية في الأسعار.
غير أن التجربة، بحسب روايته، سارت في اتجاه مختلف عما وعدت به الحملات التسويقية، بعدما تأخر تسليم الوحدة عن الموعد المتفق عليه، وهو ما أضاع عليها فرصًا كانت تخطط للاستفادة منها، سواء بالسكن أو بإعادة بيع الوحدة أو تحقيق عائد استثماري.
ويضيف أن ما يفاقم من أزمة تأخر التسليم هو مرحلة ما بعد التسليم، إذ إن معظم الوحدات تسلم بنظام الطوب الأحمر أو نصف التشطيب، مما يفرض على المشتري الدخول في مرحلة جديدة من الإنفاق لا تقل تكلفة عن قرار الشراء نفسه، فكلما تأخر موعد التسليم كلما ارتفعت أسعار التشطيب، وبالتالي ترتفع كلفة التجربة بأكملها.
ويوضح أن استكمال أعمال الكهرباء والسباكة والأرضيات والدهانات يحتاج إلى ميزانية كبيرة، وبأسعار قابلة للارتفاع بشكل يومي، ليجد المشتري نفسه أمام التزامات مالية متواصلة، تمتد لما بعد الأقساط الشهرية، وهنا تفقد ميزة التقسيط جدواها.
وتكشف هذه التجربة جانبًا آخر من واقع السوق العقارية؛ فالتقسيط الطويل قد يسهل الوصول إلى العقد، لكنه لا يضمن بالضرورة الوصول إلى شقة جاهزة للسكن، في ظل تحديات مرتبطة بالتسليم والتشطيب وكلفة الاستكمال.
هل ما زالت الأسعار مرشحة للارتفاع؟
إذا كانت الفجوة بين أسعار العقارات والدخول قد اتسعت بالفعل، فإن السؤال التالي يصبح أكثر إلحاحًا: هل وصلت السوق إلى سقفها السعري، أم أن موجات الارتفاع لم تنته بعد؟
يرى الخبير العقاري محمد عبد الحليم، رئيس مجلس إدارة شركة “كازاريكا” للعقارات والتسويق العقاري، أن السوق العقارية المصرية لم تصل بعد إلى مرحلة التشبع السعري، حيث تستقبل سنويًا أعدادًا كبيرة من الباحثين عن السكن، مدفوعة بمعدلات الزواج التي تقترب من 900 ألف حالة سنويًا، وهو ما يخلق، من وجهة نظره، طلبًا حقيقيًا ومتواصلًا على الوحدات السكنية، بصرف النظر عن التقلبات الاقتصادية التي تمر بها السوق.
كما يشير إلى أن المشروعات القومية الكبرى، والتوسع في المدن الجديدة، وصفقات التطوير الكبرى (مثل رأس الحكمة) يجذب رؤوس أموال محلية وأجنبية، أسهمت بدورها في رفع القيمة السوقية للمناطق المحيطة، وهو ما انعكس على مستويات الأسعار بصورة عامة.
أرقام الاقتصاد… كيف يقرأها المطورون؟
ويرى عبد الحليم أن قراءة السوق العقارية لا تنفصل عن المؤشرات الاقتصادية الكلية، مشيرًا إلى أن أسعار الفائدة، ومعدلات التضخم، وحجم السيولة داخل الجهاز المصرفي، جميعها عوامل تؤثر بصورة مباشرة في قرارات الشراء والتسعير.
ويضيف أن القطاع العقاري يمثل أحد أكبر القطاعات الاقتصادية في مصر، موضحًا أن حجم الثروة العقارية يتجاوز 10 تريليونات جنيه، موزعة على أكثر من 43 مليون عقار ووحدة، ويسهم القطاع بما يزيد على 20% من الناتج المحلي الإجمالي، فضلًا عن ارتباطه بصورة مباشرة أو غير مباشرة بنسبة كبيرة من فرص العمل.
ويعتبر أن هذه الأرقام تفسر حساسية القطاع تجاه أي تغيرات اقتصادية، سواء فيما يتعلق بأسعار الفائدة أو التضخم أو أسعار الصرف، باعتبار أن أي تغير في هذه المؤشرات ينعكس سريعًا على قرارات الاستثمار والتطوير العقاري.
من الذي يحكم الأسعار؟
وبينما يطالب كثيرون بوجود جهة تتدخل لضبط أسعار العقارات، يرى “عبد الحليم” أن السوق تعمل وفق قواعد المنافسة، ولا توجد جهة تفرض سعرًا موحدًا للوحدات السكنية.
ويقول أن الزيادات السنوية في الظروف الطبيعية تتراوح من وجهة نظره بين 10 و15%، وهي معدلات يعتبرها متوافقة مع التضخم وارتفاع تكاليف التنفيذ، بينما شهدت السوق في فترات التقلبات الاقتصادية زيادات أكبر وصلت لدى بعض المشروعات إلى ما بين 30 و50% لمواجهة القفزات الحادة في أسعار الصرف ومدخلات الإنتاج.
ويؤكد أن معظم الشركات لا ترفع الأسعار دفعة واحدة، وإنما بصورة تدريجية مع الانتقال من مرحلة بيعية إلى أخرى، أو مع تقدم نسب التنفيذ داخل المشروع.
ورغم اختلاف التفسيرات حول أسباب الأزمة، يتفق الخبير الاقتصادي والمطور العقاري على أن معالجة الفجوة بين أسعار العقارات والدخول لا يمكن أن تعتمد على خفض الأسعار وحده.
هل الحكومة وحدها تمتلك الحل؟
في الوقت الذي تتوسع فيه المدن الجديدة، وتواصل شركات العقارات الإعلان عن مبيعات قياسية، تبدو القدرة على امتلاك مسكن مناسب أبعد من أي وقت مضى بالنسبة لشريحة واسعة من المصريين الذين يرون ان الحكومة هي الحل باعتبارها المسؤول الأول عن المواطن واستقراره الذي يبدأ من مسكن يأويه وأسرته، وحمايته من وحش الأسعار.
وبينما يرى “ياسر سالم” أن الحل يبدأ من الاقتصاد الكلي قبل القطاع العقاري نفسه، عبر تحسين مستويات الدخول، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، والتوسع في برامج التمويل العقاري، والإيجار التمليكي، بما يعيد التوازن بين القدرة الشرائية وأسعار الوحدات السكنية.
في المقابل يرى “محمد عبد الحليم” أن الحل يتطلب تدخلات متوازنة من الدولة والقطاع الخاص في الوقت نفسه، تبدأ بتوسيع برامج التمويل العقاري طويلة الأجل، بحيث تنتقل العلاقة التمويلية إلى الجهاز المصرفي، بينما يركز المطور على البناء والتنفيذ.
كما يدعو إلى طرح أراضٍ مرفقة بأسعار وآليات أكثر مرونة، بما يسمح بإنتاج وحدات موجهة للإسكان المتوسط، مع تشجيع الشركات على تطوير وحدات أصغر مساحة وأقل تكلفة، والاعتماد بصورة أكبر على الخامات المحلية لتقليل تكلفة التنفيذ.
هل يكفي خفض الأسعار لحل الأزمة؟
لا تنتهي رحلة البحث عن شقة في مصر عند سعر المتر، ولا عند قيمة القسط الشهري، بل تبدأ من معادلة أكثر تعقيدًا تتقاطع فيها السياسات الاقتصادية مع الاستثمار والتمويل وسلوك السوق.
وبينما يرى المطورون أن الأسعار تعكس كلفة المستقبل، ويؤكد الاقتصاديون أن جوهر الأزمة يكمن في اتساع الفجوة بين الدخول والأسعار، يبقى المواطن هو الحلقة التي تتحمل نتيجة هذا الاختلال.
ورغم اختلاف الرؤى، يتفق الجميع على حقيقة واحدة: السوق العقارية المصرية لا تعاني نقصًا في المشروعات بقدر ما تبحث عن معادلة تعيد التوازن بين حق المواطن في السكن واستمرار جاذبية الاستثمار.
وحتى يتحقق ذلك، سيظل السؤال الذي افتتحت به هذه السلسلة حاضرًا: كيف تحولت الشقة، التي كانت تمثل بداية الاستقرار، إلى حلم يحتاج سنوات طويلة حتى يصبح واقعًا؟














