
بقلم: لواء مصطفى زكريا
حين وُجد الإنسان على الأرض، لم يكن يقف عند بداية التاريخ، بل عند فصل متأخر من حكاية بدأت قبل ظهوره بزمن يصعب على العقل تصوره. كانت الأرض قد اكتمل تكوينها، والجبال قد ارتفعت، والبحار قد امتلأت، والقارات قد تبدلت مواقعها، وكائنات لا تُحصى قد عاشت ثم انقرضت، بينما لم يكن الإنسان قد خطا بعد أولى خطواته فوق هذا الكوكب. وحين فتح عينيه على هذا العالم، وجد نفسه أمام كتاب عظيم، لكن صفحاته الأولى كانت قد كُتبت قبل أن يولد، فبدأ رحلته الطويلة ليقرأ الحكاية.
في البداية، حاول الإنسان أن يفسر ما يراه بما ينسجم مع قدرته على الفهم. فنسج الأساطير، وروى الحكايات، وربط الظواهر بقوى خفية، لأن العقل البشري لا يحتمل الفراغ؛ فإذا غابت المعرفة، ملأ الخيال مكانها. وكانت تلك مرحلة طبيعية في رحلة البحث، قبل أن تتسع أدوات المعرفة وتتطور وسائل الفهم.
ثم جاءت الرسالات السماوية، فلم تنشغل بتفاصيل العصور الجيولوجية، ولا بعدد الكائنات التي عاشت قبل الإنسان، لأنها لم تُرسل لتكون كتبًا في الجغرافيا أو الأحياء، وإنما جاءت لتجيب عن الأسئلة الكبرى: من هو الإنسان؟ ولماذا وُجد؟ وما رسالته في الأرض؟ وإلى أين ينتهي مصيره؟ وهكذا منحت الوحيُ الإنسان يقينًا في الغاية، بينما تركت له أبواب الكون مفتوحة ليتأمل ويبحث ويكتشف.
ومع مرور القرون، تطورت أدوات الإنسان، فتعلم كيف يقرأ الصخور كما تُقرأ الصفحات، وكيف يستخرج من الحفريات قصة كائن عاش قبل ملايين السنين، وكيف يقيس أعمار النجوم، ويتتبع آثار التغيرات التي مرت بها الأرض. ولم تعد المعرفة حكايات تُروى، بل أصبحت شواهد تُفحص، وأدلة تُناقش، ونتائج تُراجع كلما ظهر اكتشاف جديد.
ومع ذلك، ظل الإنسان الحكيم يدرك أن هناك فرقًا بين الحقيقة التي استقر عليها الدليل، وبين الفرضية التي ما تزال قيد الاختبار. فالعلم لا يتقدم بادعاء امتلاك الحقيقة الكاملة، بل بالاستعداد الدائم لمراجعة ما يظنه حقيقة إذا ظهرت أدلة أقوى. وهذه الروح النقدية هي سر قوته، وليست علامة ضعف فيه.
ومن هنا، لم يعد من الحكمة أن يُصوَّر العلم والدين وكأنهما خصمان. فالوحي يجيب عن أسئلة المعنى والغاية، بينما يبحث العلم في الكيفية والسنن التي أودعها الله في هذا الكون. وحين يلتزم كل منهما بمجاله، لا يكون بينهما صراع، بل تكامل يثري فهم الإنسان لنفسه وللعالم الذي يعيش فيه.
لقد استطاع الإنسان أن يعيد رسم أجزاء كبيرة من تاريخ الأرض، لكنه لم يشهد ذلك التاريخ بعينيه، وإنما قرأه من آثاره. وكما يقرأ عالم الآثار حضارة كاملة من قطعة فخار، يقرأ الجيولوجي تاريخ ملايين السنين من طبقة صخر، ويقرأ الفلكي ماضي الكون من ضوء نجم وصل إلينا بعد رحلة استغرقت ملايين السنين. إنها قراءة مدهشة، لكنها تظل قراءة لما بقي من الشواهد، لا مشاهدة للأحداث نفسها.
ولعل أعظم ما يميز الإنسان ليس أنه عرف كل شيء، بل أنه أدرك أن المعرفة رحلة لا تنتهي. فكل اكتشاف جديد يجيب عن سؤال، لكنه يفتح أسئلة أكبر. وكلما اتسعت دائرة ما يعلم، اتسعت معها دائرة ما يجهل. ولذلك فإن التواضع أمام الحقيقة ليس ضعفًا، بل هو أول شروط الوصول إليها.
ليست عظمة الإنسان في أنه شهد بداية الحكاية، بل في أنه استطاع أن يقرأها بعد أن غابت عنه، وأن يبحث عن حقيقتها بعقلٍ يفكر، ووحيٍ يهدي، وضميرٍ يميز بين ما يعلم، وما يجهل، وما يزال يبحث عنه.
وإذا كان الإنسان قد أمضى آلاف السنين يحاول أن يقرأ الصفحات الأولى من حكاية الأرض، فإن السؤال الذي يبقى مفتوحًا هو: كيف تُطوى الصفحة الأخيرة؟ وهل يستطيع أن يعرف نهاية الحكاية كما عرف شيئًا من بدايتها، أم أنه سيكون هو نفسه أحد سطورها الأخيرة؟ ذلك ما سنحاول الاقتراب منه في المقال الثالث والأخير من هذه الثلاثية
