
بقلم: مصطفى زكريا
ليست القوة دائما ً فيما تملكه من أدوات، وإنما في الطريقة التي تفكر بها في استخدامها. وقد يمتلك طرف أحدث ما أنتجته التكنولوجيا، بينما يمتلك الآخر أداة أقدم كثيرا ً، ثم تأتي لحظة تكشف أن الفارق الحقيقي لم يكن بين الأداتين، بل بين فكرتين.
هذا في تقديري، هو الدرس الأكثر إثارة في واقعة المقاتلة الإيرانية F-5 التي نجحت، وفق تقارير أمريكية وشهادات إيرانية لاحقة، في الوصول إلى معسكر بوهرينج الأمريكي في شمال الكويت وضربه خلال المواجهات الأخيرة .. ولا تزال بعض التفاصيل الدقيقة للعملية محل روايات متباينة، ولذلك لا ينبغي أن ننسب إليها ما لم يثبت، لكن القدر المؤكد منها يكفي وحده لطرح سؤال أكبر بكثير من تفاصيل الغارة نفسها: كيف تستطيع مقاتلة يعود تصميمها إلى ستينيات القرن الماضي أن تمثل تحديا ً لمنظومة دفاعية تنتمي إلى أحدث ما وصل إليه القرن الحادي والعشرون؟
ربما تكمن الإجابة في خطأ قديم يتكرر كلما بلغ الإنسان درجة كبيرة من التفوق: أن يخلط بين امتلاك التكنولوجيا وامتلاك التفوق الدائم.
فالتكنولوجيا لا تلغي العقل، بل تجعل حاجتنا إليه أكب، والمنظومة الأكثر تطورا ً لا تصبح عصية على الاختراق لمجرد ارتفاع تكلفتها أو تعقيد مكوناتها؛ لأنها في النهاية صُممت لمواجهة مجموعة من الأخطار والاحتمالات.
وحين يفكر الخصم خارج حدود هذه الاحتمالات، قد تتحول أبسط الوسائل إلى مشكلة شديدة التعقيد.
ولعل التاريخ العسكري، بل وتاريخ الإنسان كله، يعلمنا أن كل اكتشاف جديد يستدعي، عاجلا ً أو آجلا ً، اكتشافا ً مضادا ً له .. فما أن يبتكر الإنسان وسيلة تمنحه تفوقا ً، حتى يبدأ عقل آخر في البحث عن ثغرتها؛ ظهر السلاح فولِد الدرع، وتطورت المدافع فتطورت التحصينات، وجاءت الدبابة فظهر السلاح المضاد للدروع، وحلقت الطائرة فظهرت وسائل الدفاع الجوي، ثم جاء الرادار فبدأ البحث عن وسائل التخفي والتشويش.
ولهذا لم يعرف التاريخ سلاحا ً أخيرا ً، ولا حصنا ً لا يُخترق، ولا تفوقا ً تكنولوجيا ً كُتب له الخلود.
وهذه، ربما هي النقطة التي تجعل واقعة الـF-5 أكبر من مجرد صفحة في صراع عسكري بين إيران والولايات المتحدة. فالقضية ليست انتصار طائرة إيرانية قديمة على سلاح أمريكي حديث، ولا ينبغي اختزالها في هذا المعنى الدعائي السهل. القضية أن الإنسان، كلما ابتكر نظاما ً أكثر ذكاءا ً، بدأ إنسان آخر في التفكير في كيفية خداعه أو تجاوزه أو البحث عن المساحة التي لم يُصمم لمواجهتها.
وهنا تظهر المفارقة: التكنولوجيا نفسها ليست إلا فكرة نجحت، حتى تظهر فكرة أخرى تتجاوزها.
وقد يكون أخطر ما يصيب القوى الكبرى ليس ضعف أسلحتها، وإنما الاطمئنان الزائد إلى قوتها. فالأداة الأقوى تمنح صاحبها التفوق، لكن الاعتقاد بأنها لا تُهزم قد يسلبه القدرة على رؤية الفكرة البسيطة التي تأتي من خارج حساباته.
وهذا الدرس لا يخص الحروب وحدها، ففي الاقتصاد والصناعة والإدارة، وحتى في حياة الإنسان، لا يبقى المتفوق متفوقا ً لأنه وصل أولا ً، وإنما لأنه ظل قادرا ً على التفكير بعد وصوله. فكل نجاح يصنع من يحاول تجاوزه، وكل ابتكار يفتح الباب لابتكار مضاد، وكل منظومة تنغلق على يقينها تبدأ في صناعة نقطة ضعفها بداخلها.
لذلك ربما لا يكون السؤال الأهم بعد واقعة الـF-5:
كيف استطاعت طائرة قديمة أن تفعل ذلك؟
السؤال الأهم هو: كم من أدوات شديدة التطور حولنا نعتقد أنها تمنحنا الأمان الكامل، بينما توجد في مكان ما فكرة بسيطة لم نفكر فيها بعد؟
“فالتكنولوجيا تستطيع أن تمنح الإنسان قوة هائلة، لكنها لا تستطيع أن تعفيه من التفكير”
