
بقلم: مصطفى زكريا
إذا تأملت حديث النبي صلي الله عليه وسلم عن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ثم قرأت تعليق ابن القيم رحمه الله:
“وجدتهم إنما نالوا ذلك الظل بمخالفة الهوى”
ستدرك أن القضية أعمق بكثير من مجرد عبادات ظاهرة أو طقوس يؤديها الإنسان ثم يمضي، فالمعركة الحقيقية التي خاضها هؤلاء لم تكن مع الناس، بل مع أنفسهم.
فالإنسان بطبيعته يميل لما يوافق هواه، يحب الانتقام حين يُجرح، ويحب التفاخر حين ينجح، ويحب الشهوة حين تُتاح، ويحب السيطرة حين يمتلك القوة، ويحب أن يُرى ويُمدح ويُنتصر لرأيه حتى وإن أخطأ.
لكن هؤلاء السبعة؛ وقف كل واحد منهم أمام لحظة كان يمكن أن ينزلق فيها بسهولة،
فاختار الله على هواه.
فالحاكم العادل لم يكن عاجزا ً عن الظلم، لكنه خالف هوى السلطة.
والشاب الذي نشأ في طاعة الله لم يكن بلا شهوة، لكنه خالف هوى الرغبة والانجراف.
والرجل الذي دعته امرأة ذات منصب وجمال لم يكن فاقدا ً للميل البشري، لكنه انتصر على نفسه في لحظة ضعف حقيقية وقال: “إني أخاف الله”
والمتصدق سرا ً، لم يكن عاجزا ً عن حب الظهور، لكنه قاوم هوى الرياء.
حتى الذي بكى بينه وبين الله، خالف هوى القسوة والكبرياء والتظاهر بالقوة.
ومن هنا نفهم لماذا كانت مكافأتهم عظيمة إلى هذا الحد .. لأن أصعب انتصار يحققه الإنسان ليس انتصاره على خصومه، بل انتصاره على نفسه حين تكون قادرة على الخطأ وتختار الصواب رغم ذلك.
فالهوى ليس دائما ً شهوة جسدية فقط، بل قد يكون:
هوى الغضب، وهوى الكراهية، وهوى التعلق، وهوى المال، وهوى النفوذ، وهوى الإعجاب بالنفس، وأحيانا ً هوى الراحة والهروب من الواجب.
ولذلك…
فإن كثيرا ً من البشر لا يسقطون بسبب نقص الذكاء، ولا بسبب قلة الفرص، بل لأنهم لم ينتصروا على أنفسهم حين احتدمت المعركة الداخلية.
فكم من إنسان عرف الحق لكنه اتبع هواه.
وكم من إنسان خسر علاقة أو صداقة أو مكانة لأنه لم يستطع التحكم في غضبه أو غروره أو أنانيته.
وكم من مسئول أفسدته السلطة، ومن صاحب مال أفسده الطمع، ومن صاحب علم أفسده الكِبر، ومن إنسان بسيط أفسدته شهوة الانتقام.
فالهوى حين يقود الإنسان، يعميه تدريجيا ً حتى يبرر لنفسه كل شيء.
وقديما ً قالوا:
“ما رأيت ظالما ً أشبه بمظلوم من صاحب الهوى”
لأن الإنسان حين يصبح أسيرا ً لهواه، يتحول دون أن يشعر إلى شخص يبحث دائما ً عن تبرير أخطائه لا عن إصلاحها.
ولهذا ؛؛؛
فإن تهذيب النفس لم يكن يوماً حرمانا ً من الحياة، بل حماية للإنسان من أن يتحول إلى عبدٍ لرغباته.
والمشكلة أن كثيرا ً من الناس يظنون الحرية في أن يفعل الإنسان ما يشاء، بينما الحرية الحقيقية أحيانا ً هي أن يستطيع الإنسان أن يقول لنفسه: “لا” رغم قدرته على الفعل.
فالذي لا يستطيع مقاومة نفسه، قد يبدو قويا ً أمام الناس، لكنه في داخله هشٌّ وأسير.
ولذلك كانت أعظم صور النضج الإنساني والإيماني أن ينجح الإنسان في إدارة صراعه الداخلي بصمت، دون استعراض، ودون ادعاء بطولة.
فبعض الناس يربحون معارك الدنيا كلها، لكنهم يخسرون أنفسهم.
وبعضهم قد لا يراه أحد بطلا ً، لكنه عند الله من المنتصرين،
لأنه في لحظة خفية انتصر على هواه.
ولعل هذا هو المعنى الأعمق للظل يوم القيامة .. أن من احتمى بالله من نفسه في الدنيا، يحميه الله يوم لا حماية إلا منه سبحانه
