لم يكد المشهد السياسي في السنغال يستعيد هدوءه بعد سلسلة من التغييرات التي أعادت رسم ملامح السلطة في البلاد، حتى فجّر المجلس الدستوري أزمة جديدة، بعدما قضى بعدم دستورية التعديلات التي أقرها البرلمان لتوسيع صلاحياته وتقليص بعض صلاحيات رئيس الجمهورية، في قرار أعاد ملف الإصلاحات الدستورية إلى نقطة الصفر، وفتح الباب مجددًا أمام تساؤلات بشأن مستقبل العلاقة بين مؤسسات الحكم.
وجاء القرار عقب طعن تقدم به الرئيس “باسيرو ديوماي فاي”، طالب فيه بمراجعة الإجراءات التي اعتمد بها البرلمان التعديلات الدستورية، معتبرًا أن مسار إقرارها لم يلتزم بالضوابط الدستورية المنظمة لتعديل الوثيقة الأساسية للدولة. وبعد مراجعة الملف، قضى المجلس الدستوري، مساء الخميس، بعدم دستورية القانون، ليوقف بذلك أحد أبرز المشروعات التشريعية التي تبنتها الأغلبية البرلمانية خلال الأسابيع الأخيرة.
وكانت الجمعية الوطنية قد أقرت التعديلات في 29 يونيو بأغلبية 129 نائبًا من أصل 165، وسط جلسة اتسمت بنقاشات حادة، قبل أن تعلن الحكومة نيتها طرح المشروع للاستفتاء الشعبي، غير أن تدخل الرئيس بطلب مراجعة دستورية حال دون استكمال هذا المسار.
لا يرتبط قرار المجلس بمضمون التعديلات بقدر ما يتعلق بالكيفية التي جرى بها اعتمادها داخل البرلمان، إذ استند الرئيس في طعنه إلى وجود مخالفات إجرائية تستوجب إعادة النظر في المشروع قبل المضي في استكمال مراحله الدستورية.
وتضمنت التعديلات المقترحة إعادة صياغة 29 مادة دستورية، كان أبرزها منع رئيس الجمهورية من تولي قيادة أي حزب سياسي، وتعزيز صلاحيات الجمعية الوطنية ورئيس الوزراء، وإنشاء محكمة دستورية من تسعة أعضاء بدلاً من المجلس الدستوري بصيغته الحالية، إلى جانب تقييد صلاحية رئيس الجمهورية في حل البرلمان بحيث لا يجوز استخدامها سوى مرة واحدة خلال الولاية الرئاسية.
وأثارت هذه البنود انقسامًا واسعًا داخل الساحة السياسية السنغالية، إذ اعتبرت قوى معارضة وعدد من منظمات المجتمع المدني أن المشروع يحتاج إلى حوار وطني أوسع قبل إقراره، بينما ذهبت أطراف سياسية إلى اتهام واضعيه بأنه يمنح البرلمان نفوذًا أكبر في مرحلة تشهد تغيرات متسارعة داخل مؤسسات الدولة.
في المقابل، دافع حزب “باستيف” الحاكم عن المشروع، مؤكدًا أن التعديلات لا تمثل مبادرة سياسية جديدة، وإنما تستند إلى توصيات خرج بها الحوار الوطني عام 2025، إضافة إلى مخرجات مؤتمر العدالة الوطني المنعقد عام 2024، باعتبارها جزءًا من برنامج إصلاح المؤسسات الذي تعهدت به السلطة منذ وصولها إلى الحكم.
ورغم أن قرار المجلس الدستوري أوقف المشروع في صورته الحالية، فإنه لم يغلق الباب أمام إعادة طرحه مستقبلًا بعد استكمال الإجراءات الدستورية المطلوبة، ما يعني أن الجدل حول إصلاح النظام السياسي في السنغال مرشح للاستمرار خلال المرحلة المقبلة.
وفي أول تعليق على القرار، رحب عثمان سونكو، رئيس الجمعية الوطنية، بالحكم الصادر عن المجلس الدستوري، مؤكدًا أنه قرار ملزم لجميع المؤسسات. وقال: “تذكرنا هذه المرحلة بأنه في ظل الديمقراطية، عندما تؤدي المؤسسات دورها، كلٌ ضمن نطاق اختصاصه، فلا يمكن أن تنشأ أي أزمة.”
ويعكس هذا التطور حساسية المرحلة التي تمر بها السنغال، حيث تتداخل النقاشات المتعلقة بالإصلاحات الدستورية مع مساعي إعادة توزيع الصلاحيات بين مؤسسات الحكم، في وقت تحاول فيه البلاد الحفاظ على تقاليدها الديمقراطية وسط نقاش سياسي متزايد حول شكل النظام السياسي وحدود سلطات كل مؤسسة.
وبينما أوقف المجلس الدستوري مشروع التعديلات في الوقت الراهن، يبقى مستقبل الإصلاحات مرهونًا بما ستسفر عنه المشاورات السياسية المقبلة، وما إذا كانت القوى المختلفة ستتمكن من التوصل إلى صيغة تحظى بتوافق أوسع، أم أن الجدل الدستوري سيظل عنوانًا للمرحلة المقبلة في السنغال.














