لم تعد كلفة الحرب الأمريكية على إيران رقمًا يخص وزارة الدفاع وحدها، بعدما بدأت فاتورة الصراع تتسع من مليارات الدولارات التي تنفقها واشنطن على العمليات والذخائر إلى أعباء تصل مباشرة إلى الأسر الأمريكية عبر أسعار الوقود والسلع، وتكاليف الاقتراض، والضرائب، فضلًا عن فاتورة طويلة الأجل لإعادة بناء الترسانة العسكرية وتعويض ما استُهلك من أسلحة ومعدات.
كشف تقرير نشرته صحيفة «واشنطن بوست» أن تكلفة الحرب على دافعي الضرائب والمستهلكين الأمريكيين تواصل الارتفاع مع اقتراب الصراع من ستة أشهر، مشيرًا إلى أن تقديرات وزارة الدفاع وحدها تضع تكلفة الحرب عند نحو 37.5 مليار دولار بحلول سبتمبر، باستثناء أضرار القواعد الأمريكية في المنطقة. كما طلبت إدارة الرئيس دونالد ترامب تمويلًا إضافيًا بنحو 67 مليار دولار لتغطية تكاليف الصراع، بينها إعادة بناء مخزونات من الأسلحة.
37.5 مليار دولار.. فاتورة أولية
الرقم الذي قدمه وزير الدفاع الأمريكي بيت هيجسيث لا يمثل بالضرورة التكلفة الكاملة للحرب، إذ تستبعد تقديرات وزارة الدفاع بعض الأعباء طويلة الأجل، وعلى رأسها إصلاح الأضرار التي لحقت بالقواعد الأمريكية في المنطقة، فضلًا عن تكاليف إعادة بناء المخزونات العسكرية وتعويض المعدات التي فُقدت أو تضررت.
وتشير تقديرات أخرى إلى أرقام متقاربة أو أعلى، حيث قدر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن، تكلفة الحرب الإضافية على وزارة الدفاع بما يتراوح بين 35.2 و42.5 مليار دولار.
كما شملت حساباته الانتشار العسكري والذخائر وارتفاع وتيرة العمليات وخسائر المعدات والأضرار التي لحقت بالقواعد وارتفاع أسعار الوقود.
يأتي الجزء الأكبر من الكلفة الحالية يأتي من الذخائر؛ إذ قدر المركز أن الإنفاق عليها وحدها تجاوز 26.1 مليار دولار.
وهذه الكلفة مرشحة للارتفاع، لأن الولايات المتحدة لا تستهلك صواريخها وذخائرها فحسب، بل تضطر إلى إعادة شرائها في وقت أصبحت فيه أسعار بعض الأسلحة أعلى من تكلفة إنتاجها الأصلية.
صواريخ بملايين الدولارات تتحول إلى فاتورة مؤجلة
تكشف طبيعة الأسلحة المستخدمة حجم الفاتورة المؤجلة، فقد أطلقت الولايات المتحدة أكثر من 200 صاروخ اعتراضي من منظومة «ثاد» للدفاع عن إسرائيل، وهو ما يعادل نحو نصف مخزون وزارة الدفاع من هذه الصواريخ، بينما تبلغ تكلفة الصاروخ الواحد قرابة 15 مليون دولار.
كما أطلقت القوات الأمريكية خلال الأسابيع الأولى من الحرب أكثر من 850 صاروخ «توماهوك»، فيما أشارت تقديرات إلى أن تكلفة الصاروخ الواحد تتجاوز مليوني دولار، وقد تصل تكلفة استبداله إلى ضعف ذلك في بعض الحالات.
وكانت وزارة الدفاع قد أنفقت نحو 5.6 مليار دولار على الذخائر خلال أول يومين فقط من الحرب، بحسب مسؤولين أمريكيين نقلت عنهم «واشنطن بوست».
وهنا تتجاوز فاتورة الحرب لحظة إطلاق الصاروخ؛ فكل ذخيرة تستخدم تحتاج إلى إعادة تصنيع، وكل طائرة أو منظومة تتعرض للتدمير أو الضرر تحتاج إلى إصلاح أو استبدال، ما يعني أن جزءًا كبيرًا من كلفة الحرب ينتقل إلى السنوات المقبلة.
من الصاروخ إلى مضخة البنزين
المواطن الأمريكي لا يحتاج إلى انتظار فاتورة وزارة الدفاع حتى يشعر بتكلفة الحرب، فاضطراب إمدادات الطاقة المرتبط بالحرب، ولا سيما تداعيات أزمة مضيق هرمز، دفع أسعار الوقود إلى الارتفاع، لتتحول المواجهة العسكرية في الشرق الأوسط إلى زيادة مباشرة في تكلفة التنقل والنقل والخدمات داخل الولايات المتحدة.
ووفق تحليل مختبر الحلول المناخية في جامعة براون، فإن الأمريكيين دفعوا منذ بداية الحرب أكثر من 79.8 مليار دولار إضافية للبنزين والديزل مقارنة بالسيناريو الذي لم تقع فيه الحرب، بما يعادل نحو 609 دولارات للأسرة الأمريكية.
وهذه ليست مجرد زيادة في تكلفة ملء خزان السيارة؛ فالديزل يدخل في نقل الغذاء والبضائع، ما يعني أن ارتفاعه ينعكس على أسعار المنتجات التي تصل إلى المتاجر، وبالتالي تتحول أزمة النفط إلى تضخم يمتد إلى ميزانية الأسرة من أكثر من اتجاه.
ألف دولار للأسرة.. تقدير اقتصادي لا فاتورة حكومية
وفي تقدير منفصل، قال مارك زاندي، كبير الاقتصاديين في شركة «موديز أناليتيكس» الأمريكية المتخصصة في الأبحاث والتحليلات الاقتصادية والمالية، إن الأسرة الأمريكية النموذجية ستتحمل نحو 1000 دولار كلفة إضافية بنحو جراء الحرب.
ويشمل تقديره ارتفاع أسعار البنزين والديزل، وتأثيرهما في أسعار المواد الغذائية والبضائع المنقولة بالشاحنات، إضافة إلى ارتفاع أسعار الفائدة، فضلًا عن نحو 250 دولارًا للأسرة من الضرائب المرتبطة بالإنفاق العسكري المباشر. وقال زاندي إن تقديره البالغ ألف دولار يقع في الجانب المنخفض من التكلفة الفعلية التي تحملها الأمريكيون.
تكشف الأرقام حجم الفاتورة التي بدأت تنعكس على الأمريكيين من أكثر من اتجاه؛ فالتقدير البالغ 79.8 مليار دولار يرصد ما دفعه المستهلكون الإضافي مقابل الوقود، بينما يتوقع “زاندي” أن تمتد كلفة الحرب إلى بنود أخرى تمس ميزانية الأسرة.
بحسب “زاندي” لا يتوقف الأمر فقط عند محطة الوقود، بينما ينتقل ارتفاع التكلفة من الطاقة إلى النقل والغذاء والفائدة، مما يجعل الحرب حاضرة في ميزانية الأسرة حتى بالنسبة لمن لا يستخدم السيارة إلا نادرًا.
فاتورة الحرب تصل إلى المزارع والمستهلك
تظهر تداعيات ارتفاع الوقود في قطاعات الإنتاج الأمريكية أيضًا، فبيانات اللجنة الاقتصادية المشتركة في الكونجرس الأمريكي أظهرت في يوليو أن المزارعين الأمريكيين دفعوا 1.4 مليار دولار إضافية على وقود الديزل خلال موسم الزراعة الربيعي مقارنة بالعام السابق، وسط ارتفاع أسعار النفط المرتبط بالحرب.
وتكشف هذه الأرقام كيف تنتقل الحرب من سوق النفط إلى الاقتصاد الحقيقي؛ فالمزارع يدفع أكثر مقابل الوقود، وتزداد تكلفة تشغيل المعدات والنقل، ثم تنتقل الزيادة تدريجيًا إلى تكلفة الإنتاج والأسعار التي يدفعها المستهلك.
وبذلك لا يصبح المواطن المتضرر هو مالك السيارة فقط؛ ولكن حتى الأسرة التي لا تتأثر مباشرة بسعر البنزين قد تواجه أثر الحرب في أسعار الطعام والسلع والخدمات.
واشنطن تدفع اليوم.. والمواطن قد يدفع لسنوات
المشكلة الأكبر أن الاقتراض لتمويل الحرب يعني أن جزءًا من التكلفة لن يدفع الآن. فبحسب «واشنطن بوست» سيتم تمويل التكاليف قصيرة ومتوسطة الأجل بالاقتراض.
وهو ما حذرت منه “ليندا بيلمز”، أستاذة السياسة العامة في كلية كينيدي بجامعة هارفارد في مقال لها، من أن للحروب تكاليف طويلة الأجل تشمل مزايا المحاربين القدامى وزيادات الإنفاق الدفاعي وفوائد الأموال المقترضة.
وتذهب “بيلمز” إلى تقدير أكثر صدمة؛ إذ قالت إن تكلفة الحرب قد تصل في نهاية المطاف إلى نحو تريليون دولار بعد احتساب إعادة ملء مخزونات الذخائر، وإعادة بناء المنشآت، ومساعدة الحلفاء، ومزايا المحاربين القدامى، وسداد الأموال المقترضة مع فوائدها.
وهذا الرقم يوضح الفارق بين تكلفة الحرب كما تظهر في بيانات البنتاجون الآن، وتكلفتها الحقيقية بعد سنوات.
المعركة في هرمز.. والفاتورة في واشنطن
تضيف أزمة مضيق هرمز بعدًا آخر إلى المعادلة، إذ أن استمرار اضطراب حركة الملاحة في الممر المائي الحيوي لا يرفع أسعار الطاقة فحسب، بل يزيد تكلفة الشحن والتأمين وسلاسل الإمداد، بينما يظل أثر هذه الاضطرابات ممتدًا إلى الاقتصاد العالمي.
وحذرت «واشنطن بوست» من أن التأثيرات الاقتصادية غير المباشرة للحرب قد تتجاوز تكلفتها العسكرية المباشرة خلال السنوات المقبلة، في حين يرى خبراء أن إغلاق مضيق هرمز يخلق آثارًا عالمية يصعب قياسها بدقة في الوقت الحالي.
وهنا تتضح المفارقة: كلما اتسعت الحرب عسكريًا، لم تعد فاتورتها مرتبطة فقط بعدد الطائرات والصواريخ التي تستخدمها الولايات المتحدة، وإنما بقدرتها على إبقاء تدفقات النفط والتجارة العالمية مستقرة.
حرب تكلف المواطن مرتين
تضغط الحرب تضغط على الأمريكيين بطريقتين متزامنتين؛ الأولى مباشرة، من خلال الضرائب والإنفاق الحكومي على العمليات العسكرية والذخائر وإعادة بناء المخزونات، والثانية غير مباشرة، عبر ارتفاع أسعار الوقود والديزل والغذاء وتكاليف النقل والاقتراض.
والفارق أن الفاتورة العسكرية يمكن أن تتوقف عندما تتوقف العمليات، لكن آثارها الاقتصادية قد تستمر بعدها بفترة طويلة؛ فالمخزون الذي استهلك يحتاج إلى إعادة بناء، والقواعد المتضررة تحتاج إلى إصلاح، والقروض تحتاج إلى سداد، والمحاربون القدامى سيحتاجون إلى مزايا لعقود.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي لم يعد فقط كم أنفقت واشنطن على حرب إيران؟ وإنما كم ستظل الأسرة الأمريكية تدفع بعد أن تنتهي الحرب؟
وبالتالي تمثل الـ 37.5 مليار دولار التي تتحدث عنها وزارة الدفاع فقط الحساب العسكري الجاري، بينما تتوزع بقية الفاتورة بين أسعار الوقود والغذاء والضرائب والفوائد وإعادة بناء الترسانة، وصولًا إلى أعباء قد تمتد لسنوات.
في النهاية، قد تنتهي الحرب في الشرق الأوسط بقرار سياسي أو اتفاق لوقف القتال، لكن فاتورتها داخل الولايات المتحدة ستواصل السير في الاتجاه المعاكس؛ من الموازنة العامة إلى الشركات، ومن الشركات إلى الأسعار، ومن الأسعار إلى جيب المواطن.














