في العلاقات الدولية، لا تُقاس أهمية الزيارات الرسمية بما يقال خلالها فقط، وإنما أحيانا ً بما يسبقها من استعدادات، وما يحيط بها من مراسم، وما تحرص الدولة المضيفة على إظهاره أمام العالم. ومن هنا، فإن المبالغة الملحوظة في استعدادات ومراسم استقبال الرئيس الصيني في مصر لا تبدو مجرد احتفاء بضيف كبير، بقدر ما تثير سؤالا ً مشروعا ً:
لمن ترسل مصر رسالتها؟
الصين ليست دولة عادية في حسابات السياسة والاقتصاد العالميين، إنها قوة كبرى تنافس الولايات المتحدة اقتصاديا ً وتكنولوجيا ً وسياسيا ً، وتمتلك حضورا ً متزايدا ً في أفريقيا والشرق الأوسط، فضلا ً عن كونها شريكا ً اقتصاديا ً مهما ً لمصر، ومستثمرا ً حاضرا ً في عدد من المشروعات الكبرى، وفي مقدمتها المنطقة الاقتصادية لقناة السويس والعاصمة الإدارية الجديدة ومشروعات البنية الأساسية والطاقة والصناعة.
ولهذا فإن الاحتفاء المصري بالرئيس الصيني يحمل أولا ً رسالة مباشرة إلى بكين نفسها: أن القاهرة تنظر إلى العلاقة معها باعتبارها علاقة استراتيجية قابلة للتوسع، وليست مجرد علاقة تجارية تقوم على الاستيراد والتصدير أو تنفيذ بعض المشروعات.
لكن الرسالة، في تقديري، لا تقف عند بكين .. فواشنطن بالتأكيد تقرأ المشهد أيضا ً .. ومصر التي ارتبطت بالولايات المتحدة بعلاقة استراتيجية امتدت لعقود تدرك في الوقت نفسه أن النظام الدولي يتغير، وأن الاعتماد على شريك دولي واحد لم يعد الخيار الأكثر أمانا ً لدولة بحجم مصر وموقعها ومصالحها.
ومن هنا يمكن فهم المبالغة في المراسم والاستعدادات باعتبارها جزءا ً من لغة سياسية محسوبة تقول إن القاهرة تريد الاحتفاظ بعلاقاتها مع واشنطن، لكنها في الوقت نفسه توسع مساحة حركتها مع بكين، ولا تريد أن تصبح علاقاتها الدولية أسيرة لمحور واحد.
والرسالة لا تذهب إلى الولايات المتحدة وحدها، وإنما تصل أيضا ً إلى أوروبا وروسيا ودول الخليج والقوى الإقليمية المحيطة بمصر، فالقاهرة تقول بصورة غير مباشرة، إنها تسعى إلى تنويع شراكاتها، والاستفادة من التحولات الجارية في موازين القوى الدولية، دون أن تضطر إلى الاختيار الحاد بين الشرق والغرب.
وهنا تحديدا ً تكمن أهمية الزيارة وما يحيط بها من مظاهر استثنائية. فالمراسم في مثل هذه المناسبات ليست مجرد بروتوكول؛ إنها جزء من الرسالة السياسية، وكلما ارتفع مستوى الاستقبال، ارتفعت معه دلالة المكانة التي تريد الدولة المضيفة منحها للعلاقة.
لكن الأهم سيظل ما بعد المراسم .. فإذا كانت القراءة السابقة صحيحة، فمن الطبيعي أن نشهد خلال الفترة المقبلة تطورات أكثر وضوحا ً في العلاقات المصرية الصينية؛ ليس فقط في حجم التجارة، وإنما في الاستثمارات الصناعية المباشرة، ونقل التكنولوجيا، وتوطين بعض الصناعات، وزيادة الوجود الصيني في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وربما توسيع التعاون في مجالات الطاقة والنقل والاتصالات والتمويل.
وقد نرى أيضا ً اتجاها ً مصريا ً أكبر إلى الاستفادة من الصين في جذب استثمارات موجهة إلى الإنتاج والتصدير، بدلا ً من الاكتفاء بالقروض أو تنفيذ مشروعات البنية الأساسية؛ لأن القيمة الحقيقية لأي شراكة استراتيجية بالنسبة لمصر يجب أن تقاس بما تضيفه إلى قدرتها الإنتاجية، وما توفره من عملة أجنبية وفرص عمل ونقل للمعرفة والتكنولوجيا.
*وفي تقديري، فإن الرسالة ليست أن مصر تنتقل من واشنطن إلى بكين، وإنما أنها تريد علاقة أقوى مع بكين دون أن تخسر واشنطن وأن تحول الاتزان الاستراتيجي من مفهوم في السياسة الخارجية إلى مساحة حقيقية للحركة.*
*وعندها لن تكون المبالغة في الاستقبال هي الخبر الأهم، وإنما ما إذا كانت الأيام التالية للزيارة ستكشف أن ما شاهدناه لم يكن مجرد مراسم استثنائية، بل إعلانا ً مبكرا ً عن مرحلة جديدة في العلاقات المصرية الصينية.*














