فاتورة الحرب.. هرمز يختنق والملاحة تهبط إلى 8 سفن

منذ 52 دقيقةآخر تحديث :
فاتورة الحرب.. هرمز يختنق والملاحة تهبط إلى 8 سفن
تقرير- فاطمة خليفة:

ثماني سفن فقط جرى رصدها اليوم الثلاثاء تعبر مضيق هرمز، في أدنى مستوى لحركة الملاحة خلال أسبوع، بينما كان الممر المائي يستقبل قبل الحرب نحو 130 إلى 140 سفينة يوميًا. 

 

وبينما تتجنب شركات الشحن المرور في أحد أهم الممرات البحرية العالمية، تتسع فاتورة الحرب لتصل إلى حركة النفط والتجارة وتكاليف النقل وإدارة المخاطر.

 

أظهرت بيانات شركة «كيبلر» لتتبع السفن، أن عدد السفن المرصودة في هرمز انخفض إلى ثماني سفن، مقارنة بمتوسط بلغ نحو 12 سفينة خلال الأيام العشرة السابقة. 

 

وكانت سبع سفن من إجمالي السفن المرصودة تدخل المضيق عبر المسار الواقع في المياه الإيرانية، في حين خرجت سفينة واحدة فقط من الممر، وكانت ناقلة فحم. كما أظهرت بيانات «إل إس إي جي» 11 عملية عبور، مقابل 14 في اليوم السابق.

 

الفارق بين حركة الملاحة الحالية وما كان عليه الوضع قبل الحرب يكشف حجم الاضطراب؛ فالمضيق الذي كان تمر عبره يوميًا عشرات السفن، أصبح اليوم نقطة تحاول شركات النقل تجنبها قدر الإمكان في ظل استمرار الأعمال العدائية وارتفاع المخاطر الأمنية.

 

معركة هرمز تدفع السفن إلى البحث عن طريق آخر

في المقابل، ارتفع عدد السفن العابرة لمضيق باب المندب إلى 30 سفينة  اليوم الثلاثاء، مقابل متوسط بلغ 25 سفينة خلال الأيام العشرة السابقة، في مؤشر على تحول جزء من حركة الملاحة إلى مسارات أخرى بعيدًا عن هرمز.

 

لكن تغيير الطريق لا يعني اختفاء تكلفة الحرب؛ فالسفن التي تختار مسارات بديلة قد تواجه رحلات أطول، واستهلاكًا إضافيًا للوقود، وارتفاعًا في تكاليف التشغيل والتأمين، فضلًا عن اضطراب مواعيد تسليم الشحنات.

 

يأتي ذلك بالتزامن مع تصاعد المخاطر الأمنية في البحر الأحمر. ففي 11 أغسطس، قُتل أربعة من أفراد طاقم سفينة شحن في هجوم حوثي في باب المندب، في واقعة أضافت ضغطًا جديدًا على حركة الملاحة التجارية في المنطقة.

 

النفط في قلب الأزمة

تتجاوز أهمية هرمز حركة السفن التجارية؛ فالمضيق يمثل أحد أهم الممرات التي تعبر منها إمدادات الطاقة العالمية، ما يجعل أي اضطراب طويل الأمد فيه مصدر قلق مباشر لأسواق النفط.

 

وقالت وكالة الطاقة الدولية في أحدث توقعاتها إن إمدادات النفط العالمية قد تنخفض خلال عام 2026 بنحو 4.3 ملايين برميل يوميًا، أو ما يقارب 4%، نتيجة تداعيات الحرب والهجمات على ناقلات النفط في هرمز والبحر الأحمر.

 

وتوقعت الوكالة أن تصل الإمدادات إلى نحو 102.02 مليون برميل يوميًا، بما يترك السوق أمام عجز يقدر بنحو 1.27 مليون برميل يوميًا مقارنة بالطلب. وفي الاتجاه الآخر، خفضت الوكالة توقعاتها لنمو الطلب العالمي على النفط خلال العام بمقدار 1.6 مليون برميل يوميًا، في حين تتوقع «أوبك» نموًا قدره 580 ألف برميل يوميًا.

 

وهكذا تتحرك سوق الطاقة تحت تأثير عاملين متعاكسين: الحرب تهدد جانب الإمدادات، بينما يؤدي تباطؤ الاقتصاد العالمي إلى تقليص نمو الطلب، ما يزيد صعوبة التنبؤ بمسار الأسعار وحجم النقص المحتمل.

 

ناقلات النفط السعودية تختفي من الرادار

امتدت المخاوف إلى صادرات النفط السعودية عبر البحر الأحمر؛ فقد بدأت ناقلات تغادر ميناء ينبع في إطفاء أجهزة التتبع الخاصة بها، خشية استهدافها، وفق ما نقلته رويترز عن بيانات تتبع السفن ومصادر في القطاع.

 

ويجعل إخفاء مواقع الناقلات من الصعب على شركات تحليل البيانات تحديد حجم تدفقات النفط السعودية عبر البحر الأحمر بدقة، في وقت تحاول فيه الأسواق معرفة كيفية استمرار صادرات الخام وسط المخاطر الأمنية المتزايدة.

 

وفي السياق نفسه، تراجعت حركة التجارة التجارية عبر باب المندب من نحو 50 سفينة يوميًا إلى 32 سفينة، فيما بدأت السعودية إعادة توجيه جزء من تدفقات الخام شمالًا عبر قناة السويس وخط أنابيب «سوميد».

 

ويعني ذلك أن الحرب بدأت تفرض تعديلات على البنية التشغيلية لتجارة الطاقة نفسها؛ فبدل أن تصل الشحنات عبر المسار البحري الأقصر، يجري اللجوء إلى خيارات بديلة أكثر تعقيدًا، بما يضيف تكلفة ووقتًا إلى عملية النقل.

 

فاتورة تتجاوز سعر البرميل

بالنسبة إلى شركات الشحن، لا تحسب كلفة الحرب من خلال سعر النفط وحده. فارتفاع المخاطر الأمنية ينعكس على التأمين، واختيار المسارات، واستهلاك الوقود، وتوفر السفن، إضافة إلى احتمالات تأخر الشحنات.

 

وقد دفعت المخاطر في البحر الأحمر وخليج عدن شركات نقل إلى إعادة توجيه سفنها واستخدام طرق أطول، الأمر الذي يزيد زمن الرحلات واستهلاك الوقود والتكاليف التشغيلية. كما ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين على بعض المسارات مع تصاعد المخاطر الأمنية.

 

وتتضاعف هذه الكلفة عندما تتزامن المخاطر في أكثر من ممر. فهرمز يمثل شريانًا أساسيًا لصادرات الطاقة من الخليج، بينما يربط باب المندب البحر الأحمر بالمحيط الهندي، ومن ثم بمسارات قناة السويس والبحر المتوسط.

 

من هرمز إلى البحر الأحمر.. الحرب تعيد رسم خريطة الملاحة

التحولات التي ترصدها بيانات السفن تعطي صورة مختلفة عن أثر الحرب. فالمشكلة لم تعد في احتمال تعرض سفينة منفردة للخطر، وإنما في اضطرار شركات بأكملها إلى إعادة حساب الطريق الذي تسلكه سفنها.

 

وحين تتحول السفن من طريق قصير إلى مسار أطول، فإن الأثر ينتقل سريعًا إلى تكلفة الرحلة، ثم إلى أسعار نقل السلع والطاقة، وقد يمتد إلى سلاسل الإمداد التي تعتمد على وصول الشحنات في مواعيد محددة.

 

ولهذا تراقب أسواق الطاقة والشحن أي تغير في حركة هرمز وباب المندب؛ فكل انخفاض مستمر في عدد السفن العابرة يعني أن جزءًا من التجارة العالمية يضطر إلى البحث عن طريق بديل أو الانتظار حتى تتراجع المخاطر.

 

الرقم الذي يلخص فاتورة الحرب

ثماني سفن في يوم واحد داخل مضيق كان يشهد قبل الحرب مرور نحو 130 إلى 140 سفينة يوميًا؛ تلك هي الصورة الأكثر اختصارًا لما تفعله الحرب في حركة الملاحة.

 

وبينما تستمر العمليات العسكرية والمخاطر الأمنية، تتحمل شركات الشحن كلفة تغيير المسارات، وتواجه أسواق الطاقة مخاطر اضطراب الإمدادات، وتجد الدول المصدرة نفسها أمام الحاجة إلى إعادة ترتيب طرق نقل الخام.

 

وفي النهاية، لا تقف فاتورة الحرب عند حدود السلاح والذخيرة أو كلفة العمليات العسكرية. فقد يتحول الخوف من عبور مضيق إلى سفن أقل، ومن سفن أقل إلى طرق أطول، ومن طرق أطول إلى وقود وتأمين وتكاليف إضافية، قبل أن تصل هذه الفاتورة في النهاية إلى الاقتصاد العالمي والمستهلك.

الاخبار العاجلة