فاتورة الحرب.. واشنطن تسحب دفاعاتها من أوروبا وآسيا لصالح معركة إيران

منذ ساعتينآخر تحديث :
فاتورة الحرب.. واشنطن تسحب دفاعاتها من أوروبا وآسيا لصالح معركة إيران
تقرير- فاطمة خليفة:

بدأت تداعيات الحرب مع إيران تضغط على الانتشار العسكري الأمريكي خارج الشرق الأوسط، بعدما نقلت وزارة الدفاع الأمريكية سفنًا حربية وطائرات ووحدات دفاع جوي من أوروبا وآسيا إلى منطقة الصراع، ما ترك القوات الأمريكية في هاتين المنطقتين بقدرات نارية أقل مما كانت عليه قبل الحرب.

 

كشفت صحيفة «نيويورك تايمز»، نقلًا عن مسؤولين أمريكيين كبار وخبراء، أن هذا التحول جاء بالتزامن مع انخفاض مخزونات أسلحة حيوية، خصوصًا صواريخ الدفاع الجوي، مشيرة إلى أن نقص الإمدادات لا يضغط فقط على جاهزية القوات، وإنما بدأ يؤثر أيضًا في معنويات أفراد الجيش الأمريكي، وسط قلق داخل الأوساط العسكرية والاستخباراتية من التداعيات طويلة الأجل.

 

الشرق الأوسط يستنزف القوة الامريكية

لم يكن نقل القوات الأمريكية إلى الشرق الأوسط مجرد تعديل مؤقت في خريطة الانتشار، إذ إن الوحدات التي جرى تحريكها كانت جزءًا من القدرات المخصصة أصلًا لحماية القوات والمنشآت الأمريكية في أوروبا وآسيا.

 

يعني ذلك أن تعزيز الحرب مع إيران جاء على حساب جزء من القدرات الموجودة في مناطق أخرى، في وقت تظل فيه واشنطن ملتزمة بالحفاظ على وجود عسكري قوي في أوروبا لمواجهة التهديد الروسي، وفي آسيا والمحيط الهادئ لردع الصين وحماية حلفائها.

 

وتكتسب هذه الخطوة أهمية أكبر لأن أنظمة الدفاع الجوي التي جرى تحويلها إلى الشرق الأوسط لا تؤدي وظيفة هجومية فقط، وإنما تمثل طبقة أساسية لحماية القواعد والقوات والمنشآت الأمريكية من الصواريخ والطائرات المسيرة.

 

وبالتالي، فإن نقلها لا يعني ببساطة تغيير موقعها على الخريطة، وإنما إعادة توزيع لمستوى الحماية المتاح للقوات الأمريكية في أكثر من منطقة.

 

نقص الصواريخ يكشف جانبًا آخر من الفاتورة

تزامن تحريك القوات مع استنزاف متزايد لمخزونات الأسلحة الأمريكية نتيجة العمليات العسكرية في إيران.

وبحسب تقرير نشرته «رويترز» في 4 أغسطس، انخفض مخزون صواريخ «باتريوت» الأمريكية بنحو 65% منذ بداية الحرب، بينما تراجع مخزون صواريخ «ثاد» بنحو 38%، إلى جانب استهلاك كميات كبيرة من صواريخ الضربات بعيدة المدى، بينها «توماهوك» وصواريخ أخرى عالية الدقة.

 

لا تعني هذه الأرقام أن الجيش الأمريكي فقد القدرة على مواصلة الحرب، لكنها تكشف اتساع الفجوة بين سرعة استهلاك بعض الأسلحة وسرعة تعويضها.

 

 الحسابات العسكرية تتفوق على الحسابات السياسية

الصاروخ الذي أطلق في الحرب لم يعد موجودًا في المخزون، بينما إعادة إنتاج صاروخ بديل تحتاج إلى وقت وخطوط تصنيع ومكونات قد تكون محدودة أصلًا.

 

تكشف منظومتا «باتريوت» و«ثاد» حجم التعقيد الذي تواجهه واشنطن. فـ«باتريوت» منظومة دفاع جوي وصاروخي تستخدم لاعتراض أهداف جوية وصاروخية، بينما صُممت «ثاد» لاعتراض الصواريخ الباليستية في مراحل متقدمة من مسارها.

 

أصبح الاعتماد المكثف على هذه المنظومات خلال الحرب مع إيران اختبارًا حقيقيًا لقدرة الولايات المتحدة على التعامل مع هجمات صاروخية كثيفة، لكنه في الوقت نفسه استنزف عددًا كبيرًا من الصواريخ الاعتراضية التي يصعب تعويضها بالسرعة نفسها.

 

لهذا لم تعد القضية مجرد عدد الصواريخ الموجودة في المخازن، وإنما قدرة الصناعة الأمريكية على إنتاج البديل قبل أن تفرض أزمة جديدة احتياجات إضافية.

 

البنتاجون يطلب من شركات السلاح زيادة الإنتاج

في مواجهة هذا الضغط، تحركت وزارة الدفاع الأمريكية لتوسيع الإنتاج الدفاعي.

وفي أحدث مؤشر على أولوية إعادة بناء المخزونات، طلب البنتاجون من شركات الصناعات الدفاعية تسريع الإنتاج وتقديم خطط لزيادة الطاقة التصنيعية وتسريع عمليات التسليم.

 

كما أبرمت الولايات المتحدة اتفاقًا يتجاوز 3 مليارات دولار مع «لوكهيد مارتن» و«نورثروب جرومان» لزيادة إنتاج مكونات مرتبطة بصواريخ «باتريوت» و«ثاد»، مع خطط لرفع الطاقة الإنتاجية لصواريخ «باتريوت» إلى ثلاثة أمثالها و«ثاد» إلى أربعة أمثالها.

 

وهنا تظهر الفاتورة المالية للحرب داخل الملف العسكري نفسه: واشنطن لا تنفق فقط على العمليات الجارية، وإنما تضخ أموالًا إضافية لإعادة بناء القدرة التي استهلكتها الحرب.

 

أوكرانيا تدخل في الحسابات

تصبح المشكلة أكثر تعقيدًا عندما يتعلق الأمر بأوكرانيا؛ فالقوات الأوكرانية تعتمد على أنظمة الدفاع الجوي والذخائر الأمريكية والغربية في مواجهة روسيا، بينما تعني إعادة توجيه جزء من الأسلحة الأمريكية إلى الشرق الأوسط أن واشنطن مطالبة بالموازنة بين احتياجات حرب إيران واحتياجات جبهة أوكرانيا.

 

وكانت «واشنطن بوست» قد نقلت في مايو مخاوف لدى حلفاء أوروبيين بشأن قدرة الولايات المتحدة على مواصلة إمدادات الأسلحة لأوكرانيا بالمستوى نفسه، في ظل الضغط الذي فرضته الحرب مع إيران على المخزونات الأمريكية.

 

ولا يعني ذلك توقف الدعم الأمريكي لأوكرانيا، وإنما أن الحرب الإيرانية أضافت منافسًا جديدًا على الموارد العسكرية نفسها.

 

هكذا، بات كل قرار يتعلق بتوزيع صاروخ أو منظومة دفاع جوي يحمل بعدًا سياسيًا أيضًا: هل تذهب الأولوية إلى الشرق الأوسط، أم أوروبا، أم أوكرانيا؟

 

آسيا تدفع ثمنًا استراتيجيًا

في آسيا، تبدو التداعيات أكثر حساسية بسبب التنافس الأمريكي الصيني، إذ أن الوجود العسكري الأمريكي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ يمثل عنصرًا رئيسيًا في استراتيجية الردع تجاه الصين، خصوصًا في ظل التوتر حول تايوان وبحر الصين الجنوبي.

 

وبالتالي، فإن نقل سفن أو طائرات أو وحدات دفاع جوي من آسيا إلى الشرق الأوسط لا يعني بالضرورة حدوث فراغ عسكري، لكنه يقلل حجم القوة التي تستطيع واشنطن تحريكها سريعًا في حال نشوب أزمة جديدة.

لتصبح المسألة أكثر أهمية مع استهلاك الأسلحة التي تدخل ضمن حسابات أي مواجهة محتملة في المحيط الهادئ.

 

وكان «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن» قد حذر في تحليل بشأن مخزونات الذخائر الأمريكية من أن الخطر لا يرتبط فقط بقدرة الولايات المتحدة على مواصلة الحرب الحالية، وإنما بقدرتها على إعادة بناء المخزونات استعدادًا لحرب أخرى.

 

موسكو وبكين تراقبان

تدخل روسيا والصين، بصورة غير مباشرة، في حسابات هذه الفاتورة؛ فكلما طال أمد الحرب، وكلما احتاجت واشنطن إلى نقل قوات وأنظمة دفاعية من أوروبا وآسيا، أصبح لدى خصومها المزيد من المعلومات حول الطريقة التي توزع بها الولايات المتحدة مواردها العسكرية.

 

هذا لا يعني أن موسكو أو بكين ستتخذان قرارًا بالتصعيد استنادًا إلى انخفاض مخزون أمريكي بعينه، لكن قدرة الولايات المتحدة على خوض أكثر من مواجهة في الوقت نفسه تمثل عنصرًا أساسيًا في حسابات الردع.

فالقوة العسكرية لا تقاس فقط بعدد الجنود والطائرات والسفن، وإنما أيضًا بقدرة الدولة على توفير الذخائر اللازمة لها إذا استمر القتال لأسابيع أو أشهر.

 

المعنويات.. الوجه غير المرئي للاستنزاف

لعل الجانب الأكثر دلالة في تقرير «نيويورك تايمز» هو تأثير نقص الأسلحة في معنويات القوات.

لا يظهر استنزاف المخزونات في جداول وزارة الدفاع فقط، وإنما يصل إلى الجنود الموجودين في القواعد والمواقع العسكرية.

 

عندما تسحب منظومات دفاعية من منطقة لإرسالها إلى أخرى، أو تتراجع الإمدادات المتاحة من بعض الأسلحة، فإن ذلك يفرض على الوحدات العسكرية العمل في ظروف مختلفة، ويزيد الإحساس بأن الحرب الممتدة في الشرق الأوسط بدأت تؤثر في الجاهزية خارج مسرح العمليات الرئيسي.

وهذا النوع من التداعيات يصعب قياسه بالدولار، لكنه يدخل مباشرة في مفهوم الجاهزية العسكرية.

 

فاتورة سياسية تتجاوز الحرب نفسها

تضع هذه التطورات الإدارة الأمريكية أمام مشكلة سياسية لا تقل تعقيدًا عن المشكلة العسكرية.

تواجه واشنطن تحديات على جبهات عدة، فهي مطالبة في الوقت نفسه بإدارة الحرب مع إيران، والحفاظ على التزاماتها تجاه إسرائيل، وطمأنة حلفائها الأوروبيين، ومواصلة دعم أوكرانيا، والحفاظ على الردع في آسيا.

 

وكلما طال أمد الحرب، أصبح الجمع بين هذه الالتزامات أكثر صعوبة، حيث أن الولايات المتحدة تستطيع زيادة الإنفاق على الدفاع، لكنها لا تستطيع اختصار الوقت اللازم لإنتاج الأسلحة، ولا يمكنها نقل وحداتها من منطقة إلى أخرى من دون أن تترك أثرًا على مستوى الانتشار والجاهزية في المكان الذي غادرته.

 

ومن هنا تتحول الحرب إلى اختبار لقدرة واشنطن على إدارة قوتها العالمية، وليس فقط لقدرتها على تحقيق أهدافها العسكرية في إيران.

 

فاتورة استراتيجية.. ماذا بعد الحرب؟

قد تنتهي العمليات العسكرية في الشرق الأوسط، لكن آثار الاستنزاف ستبقى لفترة أطول.

تحتاج المخزونات التي انخفضت إلى إعادة بناء، وخطوط الإنتاج التي يجري توسيعها تحتاج أيضا إلى وقت حتى تصل إلى طاقتها المستهدفة، والأسلحة التي أُعيد توزيعها ستحتاج إلى العودة إلى مواقع انتشارها الأصلية.

 

وفي غضون ذلك، ستضطر واشنطن إلى ترتيب أولوياتها: أي منظومات يجب إنتاجها أولًا؟ وأي حلفاء يحصلون على الأسلحة؟ وأين يجب أن تتركز القوات الأمريكية؟

 

وتشير هذه الأسئلة إلى أن فاتورة الحرب لا تنتهي بمجرد توقف إطلاق النار، لأن إعادة بناء القدرة العسكرية نفسها تصبح جزءًا من مرحلة ما بعد الحرب.

 

حرب واحدة تضغط على شبكة كاملة

الحرب الأمريكية الإيرانية لم تبقَ مواجهة عسكرية منفصلة عن بقية الملفات الدولية. فقد تداخلت مع أمن الطاقة وحركة الملاحة والتجارة العالمية، بينما تزامنت مع استمرار الحرب الروسية الأوكرانية والتنافس المتصاعد بين الولايات المتحدة والصين.

 

عسكريًا، أظهرت الحرب أهمية الدفاعات الصاروخية وكثافة استهلاك الصواريخ الاعتراضية في مواجهة الهجمات المتكررة.

 

وسياسيًا، كشفت صعوبة إدارة التزامات أمريكية متعددة في الوقت نفسه، خصوصًا عندما تتنافس الجبهات على القوات والأسلحة نفسها.

 

أما استراتيجيًا، فقد أعادت الحرب طرح سؤال قديم لكن أكثر إلحاحًا الآن: هل تستطيع الولايات المتحدة خوض حرب طويلة في الشرق الأوسط مع الاحتفاظ بالقوة الكافية لردع خصومها وحماية حلفائها في أوروبا وآسيا؟

 

وهنا تحديدًا تكمن فاتورة الحرب الحقيقية؛ فالمشكلة ليست فقط في السلاح الذي استُخدم، وإنما في ما اضطر الجيش الأمريكي إلى سحبه من أماكن أخرى، وما يحتاج إلى سنوات لإعادة بنائه، وما قد يترتب على ذلك من حسابات جديدة لدى الحلفاء والخصوم.

الاخبار العاجلة